في آية أخرى: يقول تعالى: {أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ} [الطور: 40] .
يعني: غير قادرين على دَفْع الثمن؛ لأنهم بخلاء وعندهم كزازة؟ أو لا يريدون أنْ يُخرِجوا من جيوبهم شيئًا تنتفع أنت به؟ مع أنك لم تسألهم أجرًا، فهل يعني ذلك أن النبي كان من المفروض أن يسألهم أجرًا؟
قالوا: نعم؛ لأنه إذا قدَّم إنسانٌ لإنسان شيئًا نافعًا، فعليه أن يدفع له أجرًا بمقتضى التبادل والمعاوضة، وكأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول لهم: لقد قدَّمتُ إليكم جميلًا يفترض أن لي عليه أجرًا، لكني لا أريد منكم أجرًا، والمسألة من عندي تفضُّل.
وما هو الأجر؟ الأجر: جُعْلٌ يقابل عملًا، والثمن: جعل يقابل تملُّكًا، وقيمة هذا الجُعْل تختلف باختلاف مشقة العمل، وطُول زمنه، ومهارة العامل فيما يقتضيه العمل ومخاطر ما يقتضيه العمل.
فكل مسألة من هذه ترفع من قيمة الأجر، فحين تسافر مثلًا تحتاج إلى (شيَّال) يحمل لك الحقائب، فتعطيه الأجر الذي يتناسب ومجهوده، فإن استأجرت سيارة وسِرْتَ بها مسافة فلا بُدَّ أن الأجر سيزيد؛ لأنه أخَذ مجهودًا ووقتًا أكثر، فإن احتجتَ مثلًا سباكًا ليصلح لك شيئًا فسوف ترى ما في هذا العمل من المشقة، ولا تبخل عليه بأكثر من سابقيه.
وربما كان العمل في نظرك بسيطًا لا يستغرق وقتًا، لكنه يحتاج إلى مهارة. هذه المهارة ليست وليدة اللحظة، ولكنها مجهود ونتيجة