يعني: إذا كنت تتعجب، أو تستبعد أنْ نردَّك إلى بلدك؛ لأن الكفار يقفون لك بالمرصاد، حتى أصبحت لا تُصدِّق أنْ تعود إليها، فانظر إلى أصل الرسالة معك: هل كنت تفكر أو يتسامى طموحك إلى أنْ تكون رسولًا؟ إنه أمر لم يكُنْ في بالك، ومع ذلك أعطاك الله إياه واختارك له، فالذي أعطاك الرسالة ولم تكُنْ في بالك كيف يحرمك من أمر أنت تحبه وتشتاق إليه؟
إذن: تقوم هذه الآية مقامَ الدليل والبرهان على صِدْق {لَرَآدُّكَ إلى مَعَادٍ ... } [القصص: 85] وفي موضع آخر يؤكد الحق سبحانه هذا المعنى، فيقول سبحانه: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكتاب وَلاَ الإيمان ولكن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآء ... } [الشورى: 52] فالذي أعطاك الرسالة لا يعجز أن يحقق لك ما تريد.
وقوله تعالى: {إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ... } [القصص: 86] هذا استثناء يسمونه استثناء منقطعًا.
والمعنى: ما كنت ترجو أن يُلْقى إليك الكتاب إنما ألقيناه، وما ألقيناه إليك إلا رحمة لك من ربك.