الحق سبحانه وتعالى حينما يطلب من رسوله أن يذكر يريد منه أن يُذكِّر تذكيرًا مرتبطًا بنيته، لا ليقطع العَتْب عنه نفسه، فالمسألة ليست جهرًا بالتذكير.
وإذا كان تعالى يقول لرسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: إنني سأحرس سرك كما أحرس علانيتك، وأن الجهر عندي مثل السر، بل وأخفى من السر، وهو صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مؤتمن على الرسالة فإنه تعالى يقول أيضًا لأمته: إياكم أن تقولوا كلامًا ظاهره فيه الرحمة، ونيتكم غير مستقرة عليه؛ لأن الله كما يعلم الجهر يعلم السر، وما هو أخفى من السر.
وتكلمنا عن الجهر، وهو أن تُسمع مَنْ يريد أن يسمع، والسر: أن تخصَّ واحدًا بأن تضع في أذنه كلامًا لا تحب أن يشيع عند الناس، وتهمس في أذنه بأنك المأمون على هذا الكلام، وأنت ترتاح نفسيًا حينما تُلقِي بسرِّك إلى مَنْ تثق فيه، وتأمن أَلاَّ يذيعه، وهناك في حياة كل منا أمور تضيق النفس بها، فلا بُدَّ لك أن تُنفِّسَ عن نفسك، كما قال الشاعر:
وَلاَ بُدَّ مِنْ شَكْوَى إِلَى ذِي مُرُوءَةٍ ... يوَاسِيكَ أَوْ يُسْلِيكَ أَوْ يتوجَّعُ
فأنت إذن في حاجة لمَنْ يسمع منك ليريحك، ويُنفِّس عنك، ولا يفضحك بما أسررْتَ إليه.