فهرس الكتاب

الصفحة 10691 من 14758

مازال خليل الله يتلطف في دعوة أبيه فيقول: {يَمَسَّكَ عَذَابٌ} [مريم: 45] ولم يقُلْ مثلًا: يصيبك. فهو لا يريد أنْ يصدمه بهذه الحقيقة، والمسُّ: هو الالتصاق الخفيف، وكأنه يقول له: إن أمرك يُهمني، وأخاف عليك مجرد هبو التراب أن ينالك. وهذا منتهى الشفقة عليه والحرص على نجاته.

ثم يقول: {فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا} [مريم: 45] أي: قريبًا منه، وتابعًا له يصيبك من العذاب مَا يصيبه، وتُعذّب كما يُعذّب.

وهكذا انتهتْ هذه المحاورة التي احتوتْ أربعة نداءات حانية، وجاءت نموذجًا فريدًا للدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة؛ فراعتْ مشاعر الأب الذي يدعوه ولده ويُقدِّم له النُّصْح، ورتبت الأمور ترتيبًا طبيعيًا، وسَلْسَلَتْها تسلْسُلًا لطيفًا لا يثير حفيظة السامع ولا يصدمه.

وقد راعى الحق تبارك وتعالى جوانب النفس البشرية فأمر أنْ تكونَ الدعوة إليه بالحكمة والموعظة الحسنة حتى لا تجمع على المدعو قسوة الدعوة، وقسوة أنْ يترك ما أَلِف، ويخرج منه إلى ما لم يألف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت