ولماذا لا تدركه الأبصار؟ لأن البصر آلة إدراك لها قانونها بأن ينعكس الشعاع من المرئي إلى الرائي ويحدده، فلو أن الأبصار تدركه لحددته، وأصبح من يراه قادرًا عليه، ولصار مقدورًا لكم؛ لأنه دخل في إدارككم. فلو أنك أدركت الله لكان الله مقدورًا لبصرك، والقادر لا ينقلب مقدورًا ابدًا، إذن فمن عظمته انه لا يُدْرَك: أنت قد ترى الشمس، ولكن أتدعي أنك أدركتها؟ {لا، لأن الإدراك معناه الإحاطة، وحين يقال «أدركه» أي لم يفلت منه، ولذلك عندما سار قوم فرعون وراء موسى وقومه قال أصحاب موسى: اإِنَّا لَمُدْرَكُونَ} .
أي لا فائدة؛ لأن البحر أمامنا، إن تقدمنا نغرق، وإن تأخرنا أهلكونا وقتلونا. إذن «مُدرك» يعني محاطا به. فإذا أحاطت الأبصار بالله انقلب البصر قادرا، وصار الله مقدورا عليه. والقادر بذاته - كما قلنا - لا ينقلب مقدورا لخلقه أبدا.