و «الكافرون حقًا» مقصود بها أن حقيقة الكفر موجودة فيهم؛ لأننا قد نجد من يقول: وهل هناك كافر حق، وكافر غير ذلك؟ نعم. فالذي لا يؤمن بكل رسالات السماء قد يملك بعضًا من العذر، لأنه لم يجد الرسول الذي يبلغه. أما الذي جاءه رسول وله صلة إيمانية به؛ وهذه الصلة الإيمانية لحمته بالسماء بوساطة الوحي، فإن كفر هذا الإنسان فكفره فظيع مؤكد. {أولئك هُمُ الكافرون حَقًّا} .
ونلحظ أن الحق ساعة يتكلم عن الكافرين لا يعزلهم عن الحكم والجزاء الذي ينتظرهم، بل يوجد الحكم معهم في النص الواحد. ولا يحيل الحق الحكم إلى آية أخرى: {أولئك هُمُ الكافرون حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا} وقد جاء هنا بالجزاء على الكفر ملتصقًا بالكفر، فسبحانه قد جهز بالفعل العذاب المهين وأعَدّه للكافرين ولم يؤجل أمرهم أو يسوفه. ويقول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إن الجنَّة عرضت عليّ ولو شئت أن آتيكم بقطاف منها لفعلت»
لقد أعد الحق الجنة والنار فعلًا وعرضها على الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، ولو شاء الرسول أن يأتي المؤمنين بقطاف من ثمار الجنة لفعل. فإياكم أن تعتقدوا أن الله سيظل إلى أن تقوم الساعة، ثم يرى كم واحدًا قد كفر فيعد لهم عذابًا على حسب عددهم، وكم واحدًا قد آمن فيعد لهم جنة ونعيمًا على قدر عددهم، بل أعد الحق الجنة على أن كل الناس مؤمنون ولهم مكان في الجنة، وأعد النار على أن كل الناس كافرون ولهم أماكن في النار. فيأتي المؤمن للآخرة ويأخذ المكان المعد له، ويأخذ أيضًا بعضًا من الأماكن في الجنة التي سبق إعدادها لمن كفر. مصداقًا لقوله الحق: {أولئك هُمُ الوارثون الذين يَرِثُونَ الفردوس هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [المؤمنون: 10 - 11]