فهرس الكتاب

الصفحة 10656 من 14758

قد تترك هذه المسألة ظلالًا فلي نفسه وتُساوِره الشكوك في أمه، فأراد أنْ يقطع كل هذه الظنون.

ذلك لأنه هو نفسه الدليل، وهو نفسه الشاهد على براءة أمه، والدليل لا يُشكِّك في المدلول، فكأنه يقول للقوم: إياكم أنْ تظنوا أني سأتجرأ على أمي، أو يخطر ببالي خاطر سوء نحوها.

ثم يقول: {وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا} [مريم: 32] فنفى عن نفسه صفة الجبروت والقسوة والتعاظم؛ لأن الرسول لابُدَّ أنْ يكون ليِّنَ الجانب رفيقًا بقومه؛ لأنه أتى ليُخرِج الناس مِمَّا ألِفُوه من الفساد إلى ما يثقل عليهم من الطاعة.

والإنسان بطبعه حين يألَف الفساد يكره مَنْ يُخرِجه عن فساده، فمن الطبيعي أن يتعرّض النبي لاستفزاز القوم وعنَادهم ومكابرتهم، فلو لم يكُنْ ليِّن الجانب، رقيق الكلمة، يستميل الأذن لتسمع والقلوب لتعي ما صلح لهذه المهمة.

لذلك يخاطب الحق تبارك وتعالى نبيه محمدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بقوله: {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القلب لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159] .

ومعنى {شَقِيًّا} [مريم: 32] أي: عاصيًا، وما أبعدَ مَنْ هذه صفاته عن معصية الله التي يشقى بسببها الإنسان.

ثم يقول تعالى عن عيسى عليه السلام أنه قال: {والسلام عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ}

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت