له مَلَكَة معروفة لا تحتاج إلى دراسة أو تعليم. أما الأعاجم فلما دخلوا الإسلام ما كان لهم أنْ يتعلَّموا لغته إلا بهذه الدراسة لقواعدها.
والحق تبارك وتعالى يقول هنا: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِءْيًا} [مريم: 74] لأنهم قالوا: {أَيُّ الفريقين خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا} [مريم: 73] يريد أنْ يُدلِّل على أنهم حَمْقَى لا ينظرون إلى واقع الحياة ليروا عاقبة مَنْ كانوا أعزَّ منهم مكانًا ومكانة، وكيف صار الأمر إليهم؟
الحق تبارك وتعالى يردُّ على الكفار ادعاءهم الخيرية على المؤمنين، فهذه الخيرية ليستْ بذاتيتكم، بل هي عطاء من الله وفِتْنة، حتى إذا أخذكم أخذكم عن عِزَّة وجاهٍ؛ ليكون أنكى لهم وأشدَّ وأغَيظ، أما إنْ أخذهم على حال ذِلَّة وَهَوان لم يكن لأخذه هذا الأثر فيهم.
فالحق سبحانه يُملي لهم بنعمه ليستشرفوا الخير ثم يأخذهم، على حَدِّ قول الشاعر:
كَمَا أبرقَتْ قَوْمًا عِطَاشًا غَمامَةً ... فَلمَّا رأوْهَا أَقْشَعَتْ وتجلَّتِ
فأطمعهم في البداية، ثم أخذهم وخيَّب آمالهم في النهاية.
وضربنا لذلك مثلًا بالأسير الذي بلغ به العطش مَبْلغًا، فطلب الماء، فجاءه الحارس بالماء حتى كان على فِيهِ، واستشرف الريِّ منعه وحرمه لتكون حسرته أشد، وألمهُ أعظم، ولو لم يأتِه بالماء لكان أهونَ عليه.