والقرآن كلام في مستوى عَالٍ من البلاغة، وليس كلامًا مألوفًا له يسهُل عليه حِفْظه؛ لذلك كان حريصًا على الحِفْظ والتثبيت.
وفي آية أخرى يُوضِّح الحق سبحانه هذه المسألة: {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فاتبع قُرْآنَهُ} [القيامة: 1618] أي: لما تكتمل الآيات فلكَ أنْ تقرأها كما تحب.
وهذه الظاهرة من معجزات النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، نبي ينزل عليه عدة أرباع من القرآن، أو السورة كاملة، ثم حيث يُسري عنه الوحي يعيدها كما أُنزِلتْ عليه، ولك أن تأتي بأكثر الناس قدرة على الحفظ، واقرأ عليه المدة عشر دقائق مثلًا من أي كتاب أو أي كلام، ثم اطلب منه إعادة ما سمع فلن يستطيع.
أما النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فكان يأمر الكَتبة بكتابة القرآن، ثم يمليه عليهم كما سمعه، لا يُغير منه حرفًا واحدًا، بل ويُملي الآيات في موضعها من السور المختلفة فيقول: «ضعوا هذه في سورة كذا، وهذه في سورة كذا» .
ولو أن السورة نزلت كاملة مرة واحدة لكان الأمر إلى حَدٍّ ما سهلًا، إنما تنزل الآيات متفرقة، فإذا ما قرأ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في الصلاة مثلًا قرأ بسورة واحدة نزلتْ آياتها متفرقة، هذه نزلت اليوم، وهذه نزلت بالأمس، وهكذا، ومع ذلك يقرؤها مُرتَّبة آية آية.
وقوله تعالى بعدها: {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة: 19] وخاطب