فهرس الكتاب

الصفحة 11772 من 14758

لا يقربها أبدًا، وهي لا تمكِّنه من نفسها إذا ما حملَتْ، في حين أنك تبالغ في هذه الغريزة، وتنطلق فيها انطلاقًا يُخرِجها عن هدفها والحكمة منها؟ على مثل هذا أن يخزى أن يقول مثل هذه المقولة، وألاَّ يظلم البهائم، فمن الناس مَنْ هم أَدنْى من البهائم بكثير.

وما يقال عن غريزة الجنس في الحيوان يقال كذلك في الطعام والشراب.

إذن: الخالق سبحانه خلق الغرائز فيك، ولم يكبتها، وجعل لها منافذ شرعية لتؤدي مهمتها في حياتك؛ لذلك أحاطها بسياج من التكليف يُنظِّمها ويحكمها حتى لا تشرد بك، فقال مثلًا في غريزة الطعام والشراب: {يابنيءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ واشربوا وَلاَ تسرفوا. .} [الأعراف: 31] .

وقال في غريزة حب الاستطلاع: {وَلاَ تَجَسَّسُواْ. .} [الحجرات: 12] وهكذا في كل غرائزك تجد لها حدودًا يجب عليك ألاَّ تتعداها.

لذلك قلنا في صفات الإيمان وفي صفات الكفر أن الله تعالى يصف المؤمنين بأنهم {أَشِدَّآءُ عَلَى الكفار رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ. .} [الفتح: 29] لأنهم يضعون كل غريزة في موضعها فالشدة مع الأعداء، والرحمة مع إخوانهم المؤمنين، ويقف عند هذه الحدود لا يقلب مقاييسها، ويلتزم بقول الحق سبحانه وتعالى {أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين. .} [المائدة: 54] .

وكأن الخالق عَزَّ وَجَلَّ يُسوِّينا تسوية إيمانية، فالمؤمن لم يُخلَق عزيزًا ولا ذليلًا، إنما الموقف هو الذي يضعه في مكانه المناسب، فهو عزيز شامخ مع الكفار، وذليل مُنكسِر متواضع مع المؤمنين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت