وفي موضع آخر يقول تعالى في هذه المسألة: {وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلاَ تَمْشِ فِي الأرض مَرَحًا} [لقمان: 18] {إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأرض وَلَن تَبْلُغَ الجبال طُولًا} [الإسراء: 37] .
وتصعير الخدِّ أنْ تُميله كِبْرًا وبَطَرًا وأصله (الصعر) مرض في البعير يصيب عنقه فيسير مائلًا، ومَنْ أراد أن يسير مُتكبِّرًا مختالًا فليتكبر بشيء ذاتي فيه، وهل لديك شيء ذاتي تستطيع أن تضمنه لنفسك أو تحتفظ به؟
إنْ كنتَ غنيًا فقد تفتقر، وإنْ كنتَ قويًا صحيحًا قد يصيبك المرض فيُقعدك، وإنْ كنتَ عزيزًا اليوم فقد تذلّ غدًا.
إذن: فكل دواعي التكبُّر ليست ذاتية عندك، إنما هي موهوبة من الله، فعلامَ التكبُّر إذن؟
لذلك يقولون في المثل (اللي يخرز يخرز على وركه) إنما يخرز على ورك غيره؟ وأصل هذا المثل أن صانع السروج كان يأتي بالصبي الذي يعمل تحت يده، ويجعله يمدّ رِجله، ويضع السرج على وركه، ثم يأخذ في خياطته، فرآه أحدهم فرَقَّ قلبه للصبي فقال للرجل: إنه ضعيف لا يتحمل هذا، فإنْ أردتَ فاجعله على وركك أنت. كذلك الحال هنا، مَنْ أراد أن يتكبّر فليتكبّر بشيء ذاتي فيه، لا بشيء موهوب له.
والمتكبِّر شخص ضُرِب الحجاب على قلبه، فلم يلتفت إلى ربه الأعلى، ويرى أنه أفضل من خَلْق الله جميعًا، ولو استحضر كبرياء ربه لاستحى أن يتكبر على خَلْق الله، فتكبُّره دليل على غفلته عن هذه المسألة.
لذلك يقول الناظم:
فَدَع كُلَّ طاغِيةٍ للزمَان ... فَإِنَّ الزمَانَ يُقيم الصَّعَرْ
يعني: سيرَى من الزمان ما يُقوِّم اعوجاجه، ويُرغِم أنفه.