إن كليهما تذهب به الحياة، لكن في الموت تذهب الحياة أولًا، ثم تُنقض البنية بعد ذلك، أما في حالة القتل فتُنقض البنية أولًا، ثم يتبعها خروج الروح. فالموت إذن بيد الله عَزَّ وَجَلَّ، أما القتل فقد يكون بيد البشر.
وهنا نَهْى صريح عن هذه الجريمة؛ لأنه «ملعون مَنْ يهدم بنيان الله» ويقضي على الحياة التي وهبها الله تعالى لعباده.
وقوله تعالى: {إِلاَّ بالحق} [الفرقان: 68] أي: حق يبيح القتل كرَجْم الزاني حتى الموت، وكالقصاص من القاتل، وكقتْل المرتد عن دينه، فإنْ قتلْنا هؤلاء فقتلُهم بناء على حَقٍّ استوجب قتلهم.
فإن قال قائل: فأين حرية الدين إذن؟ نقول: أنت حر في أن تؤمن أو لا تؤمن، لكن اعلم أولًا أنك إنْ ارتددتَ عن إيمانك قتلناك، فإياك أنْ تدخل في ديننا إلا بعد اقتناع تام حتى لا تُعرِّض نفسك لهذه العاقبة.
وهذا الشرط يمثِّل عقبة وحاجزًا أمام مَنْ أراد الإيمان ويجعله يُفكّر مليًا قبل أن ينطق بكلمة الإيمان ويحتاط لنفسه، إذن: فربُّكَ عَزَّ وَجَلَّ يُنبِّهك أولًا، ويشترط عليك، وليس لأحد بعد ذلك أن يقول: أين حرية الدين؟
وقوله تعالى: {وَلاَ يَزْنُونَ} [الفرقان: 68] تحدثنا عن هذه المسألة في أول سورة النور وقلنا: إن الإنسان الذي كرَّمه الله وجعله خليفة له في أرضه أراد له الطُّهْر والكرامة، وإنْ يسكن الدنيا على مقتضى قانون الله، فلا يُدخِل في عنصر الخلافة شيئًا يخالف هذا القانون؛ لأن الله تعالى يريد أن يبنى المجتمع المؤمن على الطُّهْر ويبنيه على عناية المربِّي بالمربَّى.