فهرس الكتاب

الصفحة 12960 من 14758

تهديدًا ووعيدًا، الحق تبارك وتعالى حين يُضخّم الوعيد إنما يريد الرحمة بخَلْقه، وهو مُحِبٌّ لهم، فيهددهم الآن ليَسلموا غدًا، ويُنبِّههم ليعودوا إليه، فينالوا جزاءه ورحمته.

وكأنه تبارك وتعالى يريد من وراء هذا التهديد أن يُوزِّع رحمته لا جبروته، كما تقسو على ولدك ليذاكر وتهدده ليجتهد. إذن: فالوعد بالخير خير، والوعيد بالشر أيضًا خير، فكل ما يأتيك من ربك، فاعلم أنه خير لك، حتى وإنْ كان تهديدًا ووعيدًا.

وهكذا قدمتْ لنا سورة الشعراء نموذجًا من تسلية الحق تبارك وتعالى لنبيه محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والتخفيف عنه ما يلاقي من حزن وألم على حال قومه وعدم إيمانهم، وعرضَتْ عليه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ موكب الرسل، وكيف أن الله أيَّدهم ونصرهم وهزم أعداءهم ودحرهم.

ثم سلاَّه ربه بأنْ رَدَّ على الكفار في افتراءاتهم، وأبطل حججهم، وأبان زَيْف قضاياهم، ثم تختم هذه التسلية ببيان أن للظالمين عاقبة سيئة تنتظرهم وأبهم هذه العاقبة {أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} [الشعراء: 227] ليضخمها.

والشيء إذا حُدِّد إنما يأتي على لَوْن واحد، وإنْ أُبهِم كان أبلغ؛ لأن النفس تذهب في تصوُّره كل مذْهب، كما لو تأخّر مسافر عن موعد عودته فنجلس ننتظره في قلق تسرّح بنا الظنون في سبب تأخره، وفي احتمالات ما يمكن أنْ يحدث، وتتوارد على خواطرنا الأوهام، وكل وهم يَرِد في نفسك بألم ولذعة، في حين أن الواقع شيء واحد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت