يقولون: هَبْ إن إنسانًا مات ودُفِن وتحلّل جسده إلى عناصر امتصتها الأرض، ثم غُرِسَت شجرة في هذا المكان وتغذْت على هذه العناصر، وأكل من ثمارها عدة أشخاص، وانتقلت جزئيات الميت إلى الثمار ثم إلى من أكل منها، فحين يُبعث الخَلْق يوم القيامة فلأيِّهما تكون هذه الجزئيات: للأول أم للثاني؟ إذا بعثتها للأول كانت نقصًا في الثاني، وإنْ بعثتها للثاني كانت نقصًا في الأول.
وهذا الكلام منهم على سبيل أن الشخص مادة فقط، لكن التشخيصات مادة ومعنى. وهَبْ أن شخصًا بدينًا يزن مثلًا مائة كيلو أصابه مرض أهزله حتى قَلَّ وزنه إلى خمسين كيلو مثلًا، ثم عُولج وتحسنت صحته حتى عاد كحالته الأولى.
فهل الجزئيات التي نقصت من وزنه هي نفسها التي دخلتْ فيه بالصحة والتغذية؟ بالطبع لا، أتغيرتْ شخصيته بهذا النقص، أو بهذه الزيادة؟ لا، بل هو هو.
إذن: للشخص جزئيات مختلفة التكوين، وله معنى وروح، ساعةَ تتجمع هذه الأشياء يأتي الشخص المراد.
لذلك يقول تعالى ردًا على هؤلاء المتفلسفين: {قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الأرض مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ} [ق: 4] .
فلماذا تستبعدون الإعادة بعد الموت وقد أقررتُم بالخَلْق الأول واعترفتم بأن الله هو الخالق، وأليست الإعادة من موجود أهونَ من الخَلْق بدايةً من العدم؟ ثم إن الإعادة تحتاج إلى قدرة على الإبراز وإلى علم.
أما العلم، فالحق تبارك وتعالى يقول: قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ