فهرس الكتاب

الصفحة 13263 من 14758

ورحم الله شوقي الذي صاغ هذه المسألة في عبارة موجزة فقال: (النُّصْح ثقيل فلا ترسله جبلًا، ولا تجعله جدلًا) فنُصْحك معناه أنك تقول لمن أمامك: أنت على خطأ وأنا على صواب. فلكي يسمع لك لا بُدَّ أنْ تستميله أولًا إليك ليقبل منك، ولا تجرح مشاعره فيزداد عنادًا ومكابرة، وما أشبه صاحب الخطأ بالمريض الذي يحتاج لمن يأخذ بيده، ويأسو مرضه.

وقد مثَّلوا لذلك بشخص يغرق، وصاحبه على الشاطيء يلومه على نزوله البحر، وهو لا يجيد السباحة، فقال له: (آسِ ثم انصح) انقذني أولًا وأدركني، ثم قُلْ ما شئتَ.

وقال آخر: الحقائق مُرَّة، فاستعيروا لها خِفَّة البيان.

أما إنْ يئس الناصح من استجابة المنصوح كما في قصة نبي الله نوح عليه السلام، والذي ظل يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، فالأمر يختلف. فالنبي صبر على قومه علَّهم يثوبون إلى رشدهم، أو لعلهم ينجبون الذرية الصالحة التي تقبل ما رفضه الآباء.

فما أطولَ صبر نوح على قومه، وما أعظمَ أدبه في الحوار معهم وهو يقول لهم وقد اتهموه بالكذب والافتراء: {قُلْ إِنِ افتريته فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ برياء مِّمَّا تُجْرِمُونَ} [هود: 35] .

فنسب الإجرام إلى نفسه ليُسوِّي نفسه بهم لعلَّه يستميل قلوبهم، لكن، لما كان في علم الله تعالى أنهم لن يؤمنوا، ولا فائدة منهم، ولا من أجيالهم المتعاقبة، وبعد أنْ قضى نوح في دعوتهم هذا العمر المديد أمره الله أن يدعو عليهم، حيث لا أملَ في هدايتهم، فقال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت