على تحقُّق الفعل، كما قال سبحانه: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ} [القصص: 88] ولم يقل: سيهلك، وقوله سبحانه مخاطبًا نبيه محمدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ} [الزمر: 30] .
يخاطبهم بهذه الصيغة وهم ما يزالون أحياءً؛ لأن الميِّت: مَنْ يؤول أمره وإن طال عمره إلى الموت، أما مَنْ مات فعلًا فيُسمَّى (مَيْت) .
وأنت حينما تحكم على شيء مستقبل تقول: يأتي أو سيأتي، وتقول لمن تتوعده: سأفعل بك كذا وكذا، فأنت جازفتَ وتكلمتَ بشيء لا تملك عنصرًا من عناصره، فلا تضمن مثلًا أنْ تعيش لغد، وإنْ عشتَ لا تضمن أن يعيش هو، وإنْ عاش ربما يتغير فكرك ناحيته، أو فقدتَ القدرة على تنفيذ ما تكلمت به كأنْ يصيبك مرض أو يِلُم بك حدث.
لكن حينما يتكلم مَنْ يملك ازمّة الأمور كلها، ويعلم سبحانه أنه لن يفلت أحد منه، فحين يحكم، فليس للزمن اعتبار في فعله، لذلك لم يقل سبحانه: إن أجل الله سيأتي، بل {لآتٍ ... } [العنكبوت: 5] على وجه التحقيق.
وسبق أنْ ذكرنا في هذا الصدد قوله تعالى عن القيامة: {أتى أَمْرُ الله فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ ... } [النحل: 1] وقد وقف السطحيون أمام هذه الآية يقولون: وهل يستجعل الإنسان إلا ما لم يَأْتِ بَعْد؟ لأنهم لا يفهمون مراد الله، وليست لديهم مَلَكة العربية، فالله تعالى يحكم على المستقبل، وكأنه ماضٍ أي مُحقّق؛ لأنه تعالى لا يمنعه عن مراده مانع، ولا يحول دونه حائل.