فهرس الكتاب

الصفحة 14004 من 14758

وقد رتب سيدنا زكريا مظاهر الضعف بحسب الأهمية، فقال أولًا {وَهَنَ العظم مِنِّي ... } [مريم: 4] ثم {واشتعل الرأس شَيْبًا ... } [مريم: 4] ومع كِبَر سيدنا زكريا وضعفه، ومع أن امرأته كانت عاقرًا إلا أن الله تعالى استجاب له في طلبه للولد الذي يرث عنه النبوة، فبشَّره بولد وسمَّاه يحيى، وكأن الحق - تبارك وتعالى - يقول لنا: إياكم، ألا أستطيع أنْ أخلق مع الشيب والكبر والضعف؟ لذلك قال بعدها: {يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ... } [الروم: 54] .

وقال في شأن زكريا عليه السلام: {قَالَ كذلك قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا}

[مريم: 9] .

وقوله تعالى: {وَهُوَ العليم القدير} [الروم: 54] أي: أن هذا الخَلْق ناشيء عن علم {أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللطيف الخبير} [الملك: 14] لكن العلم وحده لا يكفي، فقد تكون عالمًا لكنك غير قادر على تنفيذ ما تعلم، كمهندس الكهرباء، لديه علم واسع عنها، لكنه لا يستطيع تنفيذ شبكة أو معمل كهرباء، فيذهب إلى أحد الممولين ليعينه على التنفيذ؛ لذلك وصف الحق سبحانه نفسه بالعلم والقدرة.

إذن: هذا هو الدليل النفسي على الموجد الحق الفاعل المختار الذي يفعل الأشياء بعلم وقدرة، ولا يكلفه العمل شيئًا ولا يستغرق وقتًا؛ لأنه سبحانه يقول للشيء: كن فيكون، ولا تتعجب أن ربك يقول للشيء كُنْ فيكون؛ لأنك أيها المخلوق الضعيف تفعل هذا مع أعضائك وجوارحك.

وإلاَّ فقُلْ لي: ماذا تفعل إنْ أردتَ أنْ تقوم مثلًا أو تحمل شيئًا مجرد أن تريد الحركة تجد أعضاءك طوع إرادتك، ودون أنْ تدري بما يحدث بداخلك من انفعالات وحركات، وإنْ قُلت فأنا كبير وأستطيع أداء هذه الحركات كما أريد، فما بالك بالطفل الصغير؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت