يَقْرعُ السَّنَّ على أنْ لم يكُنْ ... زَادَ في تِلْكَ الخُطَى إذْ شيَّعَكْ
إلى أنْ يقولَ:
إنْ يَطُلْ بعدكَ لَيْلى فلكَمْ ... بِتُّ أشكُو قِصَر الليْلِ معكْ
ففي أوقات السرور، الزمن قصير، وفي أوقات الغَمِّ الزمن طويل ثقيل، ألم تسمع للذي يقول - لما جمع الليل شمله بمَنْ يحب:
يَا لَيْلُ طُلْ يا نَوْمُ زُلْ ... يَا صُبْحُ قِفْ لا تطْلُعٍ
كذلك الذي ينتظر سرورًا يستبطيء الزمن، ويود لو مرَّ سريعًا ليعاين السرور الذي ينتظره، أما الذي يتوقع شرًا أو ينتظره فيودُّ لو طالَ الزمن ليبعده عن الشر الذي يخافه.
لذلك نجد المؤمنين يودُّون لو قصر الزمن؛ لأنهم واثقون من الخير الذي ينتظرهم والنعيم الذي وُعدوا به، أما المجرمون فعلى خلاف ذلك، يودُّون لو طال الزمن ليبعَدهم عما ينتظرهم من العذاب؛ لذلك يقولون ما لبثنا في الدنيا إلا قليلًا ويا ليتها طالتْ بنا. إما لأنهم لا يدرون بالزمن ويقولون حَسْب ظنهم، أو لأنهم يريدون شيئًا يُبعد عنهم العذاب.
إذن: أقسموا ما لبثوا غير ساعة، إما على سبيل الظن، أو لأن الغافل عن الأحداث لا يدري بالزمن، ولا يستطيع أنْ يُحِصيه، كالعُزير الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه {قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ... } [البقرة: 259] فأخبره ربه أنه لبث مائة عام {قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ ... } [البقرة: 259] .
والذي لا شكَّ فيه أن الله تعالى صادق فيما أخبر به، وكذلك العزير كان صادقًا في حكمه على الزمن؛ لذلك أقام الحق - سبحانه وتعالى - الدليل على صِدْق القولين فقال: فانظر إلى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ