إن الحق يقول: {وسارعوا إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} أي: خذوا المغفرة وخذوا الجنة بسرعة، لأنك لا تعرف كم ستبقى في الدنيا، إياك أن تؤجل عملًا من أعمال الدين أو عملا من أعمال الخير؛ لأنك لا تعرف أتبقى له أم لا. فانتهز فرصة حياتك وخذ المغفرة وخذ الجنة، هذا هو المعنى الذي يأتي فيه الأثر الشائع «اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا» .
الناس تفهمها فهمًا يؤدي مطلوباتهم النفسية بمعنى: اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا: يعني اجمع الكثير من الدنيا كي يَكفيك حتى يوم القيامة، وليس هذا فهمًا صحيحًا لكن الصحيح هو أن ما فاتك من أمر الدنيا اليوم فاعتبر أنك ستعيش طويلًا وتأخذه غدًا، أمَّا أمر الآخرة فعليك أن تعجل به.
{وسارعوا إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السماوات والأرض} ونحن نعرف أن المساحات لها طولّ وعرض، لأن الذي طوله كعرضه يكون مربعًا، إنما الذي عرضه أقل من طوله فنحن نسميه «مستطيلا» ، وحين يقول الحق {عَرْضُهَا السماوات والأرض} نعرف أن العرض هو أقل البعدين، أي أنها أوسع مما نراه، فكأنه شبّه البعد الأقل في الجنة بأوسع البعد لما نعرفه وهو السموات والأرض ملتصقة مع بعضها بعضا فأعطانا أوسع مَمَّا نراه. فإذا كان عرضها أوسع ممَّا نعرف فما طولها؟ أنه حد لا نعرفه نحن.
قد يقول قائل لماذا بيَّن عرضها فقال: {عَرْضُهَا السماوات والأرض} . فأين طولها إذن؟ ونقول: وهل السموات والأرض هي الكون فقط؟ إنّه سبحانه يقول: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السماوات والأرض} [البقرة: 255]
ويقول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «ما السموات والأرض وما بينهما إلا كحلقة ألقاها ملك في فلاة» . أليست هذه من ملك الله؟
وهكذا نرى أن هذه الجنة قد أُعدت للمتقين، ومعنى «أُعدت» أي هيئت وصُنعت وانتهت المسألة! يؤكد ذلك رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فيقول: