فهرس الكتاب

الصفحة 2422 من 14758

{وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا} [العنبكوت: 8] .

وما هو المقابل «للحسن» ؟ إنه «القبح» ، إذن فالحق أدخلنا في مقام الجمال مرة، وفي مقام الإحسان مرة أخرى، وهنا أكثر من ملحظ يجب ألا يغيب عن بال المسلم، أولًا: نجد أن المفروض في الشائع الغالب أنّ الوالدين يربيان أبناءهما، ومن النادر أن يصبح الولد يتيمًا ويربيه غير والديه، فقال: الحظ سبب التربية بعد الوجود، فسبب الوجود: يوجب عليك أن تعطيهما حقوقهما وفوق حقوقهما وتدخل في مقام الإحسان، ولكنه جاء في آية وعلل ذلك فقال:

{وَقُل رَّبِّ ارحمهما كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 24] .

لقد جاء الحق بالتربية حيثية في الدعاء لهما وفي البر التوصية بهما، لكن لو أن إنسانًا أخذ فيك منزلة التربية ولم يأخذ فيك سببية الإيجاد، أله حق عليك أن يكون كوالديك؟

إن الحق يقول: {كَمَا رَبَّيَانِي} ، فإذا كان والدي لهما هذا الحق، فكذلك من قام بتربيتي من غير الوالدين له هذا الحق أيضًا! ما دام جاء الحق بالوالدين في علة الإحسان: {وَقُل رَّبِّ ارحمهما كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} . . فمرة نلحظ أنه لا يجيء بمسألة التربية كي نعلم أن الوالدين هما سبب الوجود، ومرة يلفتنا إلى أن من يتولى التربية يأخذ حظ الوالدين، وشيء آخر: وهو أن الحق سبحانه وتعالى حينما وصى بالوالدين إحسانا، جاء في الحيثيات بما يتعلق بالأم ولم يأت بما يتعلق بالأب: {وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا} [الأحقاف: 15] .

هنا جاء الحق بالحيثيات للأم وترك الأب بدون حيثية، وهذا كلام رب؛ لأن إحسان الوالدة لولدها وجد وقت أن صار جنينًا. فهي قد حافظت على نفسها وسارت بحساب وحرص فانشغلت به وهو مازال جنينًا. وحاولت أن توفر كل المطالب قبلما يتكون له عقل وفكر. بينما والده قد يكون بعيدًا لا يعرفه إلا عندما يكبر ويصير غلامًا ليربيه لكفاح الحياة، أما في الحمل والمهد فكل الخدمات تؤديها الأم ولم يكن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت