به. إذن فالإنسان لا بد أن يخفف عن نفسه الكيّ، والذين يبخلون لا يكتفون بهذه الخسيسة الخلقية في نفوسهم بل يحبُّون أيضًا أن تتعدى إلى سواهم كأنهم عشقوا البخل، ويؤلمهم أن يروا إنسانًا جوادًا؛ يقول لك البخيل: لا تنفق؛ لأنه يتألم حين يرى إنسانًا جوادًا، ويريد أن يَكون الناس كلهم بخلاء؛ كي لا يكون أحد أحسن منه.
إنه يعرف أن الكرم أحسن، بدليل أنه يريد أن يَكون الناس كلهم بخلاء، والبخل: ضن بما أوتيته على من لم يُؤت. وهل البخل يكون في المال فقط؟ . لا، بل يكون في كل موهبة أوتيتها وتنقص عند غيرك ويفتقر إليها، إن ضننت بها فأنت داخل في البخل.
إن الذي يبخل بقدرته على معونة العاجز عن القدرة، والذي يبخل بما عنده من علمٍ على من لا يعلم، هذا بخل، والذي يبخل على السفيه حتى بالحلم هذا بخل أيضًا، فإن كانت عندك طاقة حلم فابذلها. إذن فالبخل معناه: أنك تمنع شيئا وهبه الله لك عن محتاجه، معلم - مثلا - عنده عشرة تلاميذ يتعلمون الصنعة، ويحاول أن يستر عنهم أسرار الصنعة؛ يكون قد بخل.
{الذين يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ الناس بالبخل} والآية معناها يتسع لكل أمر مادي أو قيمي. ونحن نأخذها أيضًا في المعاني العالية، فالذين أوتوا الكتاب كانوا يعرفون صفته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، ويعرفونه كما يعرفون أبناءهم، فلما جاءهم مصدقًا لما معهم كفروا برسالته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وكتموا معرفتهم به عن الناس، وكتموا معرفتهم بما جاء به من علم وهو الصادق المصدوق. وهذا بخل في القمة، وبعد ذلك استمروا يأمرون الناس بالبخل.
وأنتم تعرفون أن الأنصار كانت عندهم الأريحية الأنصارية، وساعة ذهب إليهم المهاجرون، قاسموهم المال، حتى النعمة التي غرس الله في قلب المؤمن الغيْرة عليها من أن ينالها أحد حتى ولو كان كارهًا لها، وهي نعمة المرأة؛ لأن الرجل حتى وإن كره امرأته فهو يغار أن يأخذها أحد، ولكن الأنصار اقتسموا الزوجات، فكم من