إن كلمة «الجنة» مأخوذة من «الجَن» ، والستر، و «الجَنّة» هي البستان الذي به شجرة إذا سار فيه الإنسان يستره، وهو غير البساتين الزهرية التي تخرج زهرًا قريبًا من الأرض تمثل ترفا للعيون فقط، أما الجنة ففيها أشجار عالية كثيفة بحيث لو سار فيها أحد يُستر، ففيها الاقتيات وفيها كل شيء، فهي تسترك عن أن تلتفت إلى غيرها لأن فيها ما يكفيك، فالذي عنده حاجة لا تكفيه يتطلع إلى ما يكفيه، لكن من عنده حاجة تكفيه فقد انستر عن بقية الوجود، والحق سبحانه وتعالى يعطينا صورة عن شيء هو الآن عنا غيب، وسيصير بإذن الله وبمشيئته مشهدًا، ونحن نعرف أن الجنة بها كل ما تتمناه النفس، ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: قال الله عَزَّ وَجَلَّ:
«أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر» مصداق ذلك في كتاب الله {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} .
ونعلم أن الكائنات الوجودية يعرفها الإنسان بما يناسب إدراكه. . فقال: «ما لا عين رأت ولا أذن سمعت» ، والعين حين ترى تكون محدودة، لكن السمع دائرته أوسع من الرؤية، لأنه سيسمع ممن رأى، إنه سمع فوق ما رأى، إذن فدائرة الإدراكات تأتي أولًا: بأن يرى الإنسان، ثم بأن يسمع، وهو يسمع أكثر مما يرى، وعلى سبيل المثال قد أرى أسوان لكنني أسمع عن أمريكا، فدائرة السماع أوسع.
وبعد ذلك قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «ولا خطر على قلب بشر» أي أن ما في الجنة أكبر من التخيلات، إذن فكم صفة هنا للجنة؟ الأولى قوله: ما لا عين رأت. والعين مهما رأت فدائرتها محدودة، والثانية: قوله: ولا أذن سمعت فدائرتها أوسع قليلًا.
والثالثة: قوله: ولا خطر على قلب بشر، وهذا أوسع من التخيلات، فإذا كنت يا حق سبحانك ستعطينا في الجنة: ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. فبأي الألفاظ يا ربي تؤدي لنا هذه الأشياء، وألفاظ اللغة إنما وضعت لمعانٍ معروفة، وما دمت ستأتي بحاجة لم ترها عين، ولم تسمعها إذن ولم تخطر على قلب بشر، فأي الألفاظ ستؤدي هذه المعاني؟