فلا بد أن يقوم بتلك التسوية كل حاكم أو محكم بين خصمين فلا يميز ولا يرفع خصما على خصمه.
و» اللحظ «عمل العين. وهذا يحتاج إلى بصير، واللفظ يحتاج إلى أذن تسمع، أي إلى سميع، فقال: {إِنَّ الله كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} . لماذا قدم سبحانه هنا سميعًا على بصير؟ لأن ما يُسمع فيه تعبير واضح. أما النظرة فلا يعرفها إلا من يلاحظ أنه ينظر بحنان وإكبار، وهل وجدت له سبحانه صفة السمع بعد أن وجد ما يسمعه، وهل وجدت له صفة البصر بعد أن وجد ما يبصره؟ أو أن صفة السمع أزلية قديمة قبل أن يخلق خلقًا يسمع منه، وأن صفة البصر أزلية قديمة قبل أن يخلق خلقًا ليبصر أفعالهم؟ إنه سبحانه قديم أزلًا، موجود قبل كل موجود. وصفاته قديمة بقدمه.
إذن ففيه فرق بين أن تقول: سميع وبصير، وسامع ومبصر، فأنت تكون سامعًا إذا وجد بالفعل من يٌسْمع، إذن فما معنى كلمة» سميع «؟ أن يكون المدرِك على صفة يجب أن تدرك المسموع إن وجد المسموع وإن لم يوجد المسموع فهو ليس سامعًا فقط، إنما هو سميع، وكذلك بصير.
وأضرب المثل - ولله المثل الأعلى، وهو منزه عن كل تشبيه - الشاعر الذي يقول القصيدة، إنه قبلما يقول القصيدة كان شاعرًا في ذاته وقال القصيدة بوجود ملكه الشعر في ذاته. والحق سبحانه وتعالى» غفَّار «قبل أن يخلق الخلق، أي أنه على صفة تدرك الأمر إن وجد. . وهو غفار قبل أن يوجد الخلق ويرتكبوا ما يغفره، وهو» سميع بصير «أزلًا. أي قبل أن يخلق الخلق الذين سينشأ منهم ما يٌُبْصر وينشأ منهم ما يُسْمع.
ويقول الحق بعد ذلك: {يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ ... }