فهرس الكتاب

الصفحة 2733 من 14758

الذين كَفَرُواْ و «عسى» بالنسبة لله رجاء محقق لأنه إطماع من الله عَزَّ وَجَلَّ، والإطماع منه واجب تحققه لأنه - سبحانه - هو الذي يحثنا ويدفعنا إلى الطمع في فضله لأنه كريم، وهو القائل سبحانه: {عَسَى الله أَن يَكُفَّ بَأْسَ الذين كَفَرُواْ والله أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا} لأن أصحاب البأس من الخلق هم أهل أغيار، فالقوي منهم قد يضعف أو يصاب ببعض من الرعب فتخلخل عظامه. أما واهب الفعل وواهب القوى لخلقه فهو القادر على أن يفعل فهو الأشد بأسًا وهو سبحانه أشد تنكيلًا.

وساعة يسمع الإنسان أي شيء من مادة «نكل» فعليه أن يعرف أنها مأخوذة من «النِكْل» وهو القيد. وعندما يوقع الحاكم - مثلا - العذاب على مرتكب لجريمة، والشخص الذي يرى هذا العذاب يخاف من ارتكاب مثل هذه الجريمة، فكأن الحاكم قد قيدهم بالعذاب الذي أنزله بأول مجرم أن يفعلوا مثل فعله. ولذلك يقال على ألسنة الحكام: سأجعل من فلان نَكالًا. أي أن القائل سيعذب فلانًا، بحيث يكون عبرة لمن يراه فلا يرتكب جريمة مثلها أبدًا خوفا من أن تنزل به العقوبة التي نزلت ولحقت بَمن فعل الجريمة.

إذن فالتنكيل والنكال والنِكل كلها راجعة إلى القيد الذي يمنع إنسانًا أن يتحرك نحو الجريمة، أو قيد يمنع الإنسان أن يرجع إلى الجريمة التي فعلها أولًا، أو أن هذا القيد وهو العذاب الذي عوقب به مرتكب الجريمة يكون ماثلا أمام الناس يحذرهم من الوقوع فيها كي لا تنالهم عقوبتها ونكالها.

إن الحق سبحانه وتعالى حين خلق الخلق ووزع عليهم فضل المواهب فلا يوجد واحد قد جمع كل المواهب؛ لأن فكر الإنسان وطاقته وزمنه وظروفه شاء الله أن تختلف وشاء سبحانه ألا يجعل الإنسان موهوبًا في كل مجال، وحين يوزع الله على كل عبد جزءًا من المواهب ويعطي العبد الآخر جزءا آخر حتى يتكامل العباد معًا. فلو أن صاحب موهبة تجمعت لديه مواهب الآخرين لاستغنى كل إنسان عن مواهب الآخرين، والله يريد منا مجتمعًا متساندًا متكافلًا متكاملًا، فما أفقده أنا أجده عند غيري. فتجد بارعًا في الهندسة وعندما يصاب هذا المهندس البارع بألم فهو يطلب طبيبا، والطبيب الذي يريد بناء عيادة يطلبها من المهندس. وكلاهما يطلب مشورة المحامي في كتابة العقود، وكل هؤلاء في حاجة إلى من يقيم البناء، والذين يقيمون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت