ولذلك قلنا: إن الذي يحب أن تسرع إليه نعم غيره فليحب النعم عند أصحابها. فإنك أيها المؤمن إن أحببت نعمة عند صاحبها جاءك خيرها وأنت جالس. وإذا ما حُرمت من آثار نعمة وهبها الله لغيرك عليك فراجع قلبك في مسألة حبك للنعمة عنده، فقد تجد نفسك مصابًا بشيء من الغيرة منها أو كارهًا للنعمة عنده، فتصير النعمة وكأنها في غيرة على صاحبها، وتقول للكاره لها: «إنك لن تقربني ولن تنال خيري» .
ويختم الحق الآية: {وَكَانَ الله على كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتًا} جاء هذا القول بعد الشفاعة الحسنة والشفاعة السيئة، وفي ذلك تنبيه لكل العباد: إياكم أن يظن أحدكم أن هناك شيئًا مهما صغر يفلت من حساب الله، فلا في الحسنة سيفلت شيء، ولا في السيئة سيضيع شيء. وأخذت كلمة «مُقيتًا» من العلماء أبحاثًا مستفيضة. فعالم قال في معناها: إن الحق شهيد، وقال آخر: «إن الحق حسيب» ، وقال ثالث: إن «مقيتًا» معناها «مانح القوت» ورابع قال: «إنه حفيظ» وخامس قال: «إنه رقيب» .
ونقول لهم جميعًا: لا داعي للخلاف في هذه المسألة، فهناك فرق بين تفسير اللفظ بلازم من لوازمه وقد تتعدد اللوازم، فكل معنى من هذه المعاني قد يكون صحيحًا، ولكن المعنى الجامع هو الذي يكون من مادة الكلمة ذاتها. و «مُقيت» من «قاته» أي أعطاه القوت، ولماذا يعطيهم القوت؟ ليحافظ على حياتهم، فهو مقيت بمعنى أنه يعطيهم ما يحفظ حياتهم، ومعناها أيضًا: المحافظ عليهم فهو الحفيظ. وبما أنه سبحانه يعطي القوت ليظل الإنسان حيًا، فهو مشاهد له فلا يغيب المخلوق عن خالقه لحظة، وبما أنه يعطي القوت للإنسان على قدر حاجته فهو حسيب.
وبما أنه يرقب سلوك الإنسان فهو يجازيه.
إذن كل هذه المعاني متداخلة ومتلازمة؛ لذلك لا نقول اختلف العلماء في هذا المعنى، ولكن لنقل إن كل عالم لاحظ ملحظًا في الكلمة، فالذي لاحظ القوت الأصلي على صواب، فلا يعطي القوت الأصلي إلا المراقب لعباده دائمًا، فهو شهيد، ولا يعطي أحدًا قوتًا إلا إذا كان قائمًا على شأنه فهو حسيب. وسبحانه لا يُقيت