فهرس الكتاب

الصفحة 3088 من 14758

إذن فلماذا الفتنة في عيسى عليه السلام؟ . لقد نقض أمامهم الأساس التقليدي المادي لمجيء الإنسان إلى الدنيا من ذكر وأنثى، وجاء عيسى عليه السلام من أم دون أب. ليثبت سبحانه طلاقة القدرة وأنه جعل الأسباب للبشر، فإن أراد البشر مُسَبَّبًا فعليهم أن يأخذوا الأسباب، أما سبحانه وتعالى فهو مسبِّبُ الأسباب وخالقها وهو القادر - وحده - على إيجاد الشيء بتنحية كل الأسباب.

ونعلم أن قضية الخلق دارت على اربعة أنحاء، إما أن ينشأ الشيء من وجود الشيئين، هذه هي الصورة الأولى. وإما أن ينشأ الشيء من عدم وجود الشيئين وهذه هي الصورة الثانية. وإما أن ينشأ الشيء من وجود الشيء الأول وعدم وجود الشيء الثاني، وهذه هي الصورة الثالثة، وإما أن ينشأ الشيء من وجود الشيء الثاني مع عدم وجود الشيء الأول، وهذه هي الصورة الرابعة.

تلك هي الصور الأربع لوجود شيء ما. ولم يشأ الله أن يجعل الخلق - وهو الإنسان المكرم الذي سخر له الحق كل ما في الكون - على نحو واحد؛ حتى لا يقولن أحد: إن السببية مشروطة للوجود.

بل المسبَّب هو المشروط في الوجود بدليل أنه سبحانه خلق آدم عليه السلام من غير أب ولا أم، وخلقنا جميعًا نحن من أب وأم، وخلق عيسى عليه السلام من أم دون أب، وخلق حواء من أب دون أم.

هذه هي القسمة العقلية الواضحة، فليست المسألة عنصرية موجودة، ولكن قيمة واقتدار واجد. وقدرة الحق تتجلى أيضًا أمامنا حينما تكون الأسباب موجودة كالأب والأم. لكن يشاء سبحانه أن يكون الاثنان عقيمين فهو القائل: {لِلَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذكور أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًا}

[الشورى: 49 - 50]

إذن فليست المسألة مدار أسباب تُوجَد، بل مسَبِّبِ يريد أن يُوجِد، وأراد الحق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت