فهل هم التقطوه ليكون عدوًا؟ لا. لقد التقطوه ليكون قرة عين. ولكن قدر الله سبق. كان الأمل في أن يصير موسى قرة عين آل فرعون، ولكن الله أراد أن يقوموا بتربيته، ثم يصير من بعد ذلك عدوًا لهم. وهكذا يتضح لنا أن تدبير السماء فوق تدبير الأرض. وموسى السامري مثلًا ربته السماء بواسطة جبريل، وولدته أمه منقطعا في الصحراء، فكان جبريل ينزل عليه بما يطعمه إلى أن كبر، وموسى ابن عمران ذهب إلى فرعون ليربيه، لكن موسى السامري - الذي رباه جبريل - صار كافرًا، وموسى بن عمران الذي رباه فرعون أصبح رسولًا إلى بني إسرائيل. وكلا القدرين أرادهما الله، ولذلك يقول الشاعر:
إذا لم تصادف في بريق عناية ... فقد كذب الراجي وخاب المؤمل
فموسى الذي رباه جبريل كافر ... وموسى الذي رباه فرعون مرسل
كأن آل فرعون قد قاموا بتربية موسى بن عمران ليكون عدوًا لهم لا قرة عين. والعداوة تكون من جهة موسى لفرعون، وتجيء العداوة من فرعون لموسى، فيقول الحق: {فاقذفيه فِي اليم فَلْيُلْقِهِ اليم بالساحل يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ} [طه: 39]
هكذا صارت العداوة من طرفين. والحق سبحانه وتعالى أمر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يصفح عن الخيانات التي تحدث منهم، لعل الوعي الإيماني يستيقظ فيهم، ويقولون: لم يعاملنا بمثل ما عاملناه به، ويعترفون به نبيًا رحيمًا رءوفًا كريمًا، ولا يقفون في وجه دعوته. لكن أيظل العفو والصفح هما كل التعليمات الصادرة من الحق إلى نبيه محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ؟ لا. فقد مر الأمر الإلهي بمرحليات متعددة؛ فالرسول يستقطب النفس الإنسانية بأن يستعبدها بالإحسان، فإن لم يستعبدها الإحسان فلا بد أن يشمر النبي عن الساعد ويفعل ما يأمره به الله، ولنقرأ قوله الحق:
وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الكتاب لَوْ يَرُدُّونَكُم مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِّن