فهرس الكتاب

الصفحة 3718 من 14758

من مال الفيء وغيره، وكان جل همهم أن يسعد المهاجرون وقد سبق أن آثروهم بأشياء كانت لهم وارتضوا لأنفسهم عدم البخل، فوقاهم الله شر البخل فكانوا من الفائزين. والمتصدق بجنيه إنما يأخذ من الله عشرة أمثاله، وهذه نفعية كبرى. وعندما أمرنا الشرع بغض البصر عن محارم الغير، والمنفذ لذلك يحفظه الله ويغض الجميع عيونهم عن محارمه، أليست هذه نفعية؟ إذن فمن الحمق أن يظن إنسان أن الدين يقيد الحرية، لأن الدين إنما يعلي الحرية وينميها، وينمي الانتفاع عند المؤمن بأن يحول بينه وبين النفعية الحمقاء.

ودائمًا أضرب هذه المثل: لنفترض أن رجلًا له ولدان؛ الأول منهما يستيقظ صباحًا من النوم فيفعل مثلما علمه أبوه: يتوضأ ويصلي ويتجه إلى دراسته بعد أن يتناول إفطاره، أما الابن الثاني فلا يستيقظ إلا بصعوبة ويظل يتناوم إلى أن يأتي الضحى ثم يخرج من المنزل إلى المقهى. إن كلًا من الولدين أراد النفع لنفسه، الأول أراد النفع الآجل، والثاني أراد النفع العاجل، وبعد أن تمر عشر سنوات يتخرج الابن الأول ليكون مفلحًا وناجحًا في الحياة، ولكن الابن الثاني يظل صعلوكًا فاشلًا، إذن فكلاهما نظر إلى النفعية ولكن المنظار مختلف.

وإياكم أن تفهموا أن هناك إنسانًا لا يحب نفسه، لا.

كلنا نحب أنفسنا. ولكن هناك من يحب نفسه حبًا يعطي لها طول البقاء، فيجد ويجاهد، وقد يكون شهيدًا، وآخر أحب نفسه بضيق أفق فحافظ على حياته بالجبن وهو قد مات ألف مرة في أثناء هذا الجبن، وفقد كرامته حرصًا على حياة لن يزيد في مقدارها يومًا واحدًا. والمتنبي يقول:

أرى كلنا يبغي الحياة لنفسه ... حريصًا عليها مستهامًا بها صبا

فحب الجبان النفس أورده التُّقَى ... وحب الشجاع النفس أورده الحربا

ولذلك فالمتأمل بعمق في أمر الدين يقول لنفسه: «ومالنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق» ، والمؤمن يرى أنه من العجيب ألا يؤمن لأنه يطمح إلى مكانة المؤمن.

«ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين» إذن فالمؤمن يطلب مكانة الإنسان الصالح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت