فهرس الكتاب

الصفحة 4783 من 14758

موضع العجب هنا أن جاء لهم منذر ورسول من جنسهم؛ فمن أي جنس كانوا يريدون الرسول؟ كان من غبائهم أنهم أرادوا الرسول مَلَكًا. {بَلْ عجبوا أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الكافرون هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ} [ق: 2]

وجاء العجب أيضًا في البعث. فتساءل الكافرون هل بعد أن ذهبنا وغبنا في الأرض وصرنا ترابًا بعد الموت يجمعنا البعث مرة ثانية؟!

إذن فالعجب معناه إظهار الدهشة من أمر لا تدعو إليه المقدمات أو من أمر يخالف المقدمات.

العجب عندهم في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها لأن نوحًا عليه السلام يريد منهم أن يبحثوا في الإِيمان بوجود إِله. وكان المنطق يقتضي أنه إذا رأوا شيئًا هندسته بديعة، وحكيمة، وطرأ عليها هذا المخلوق وهو الإِنسان ليجد الكون منسقًا موجودًا من قبله، كان المنطق أن يبحث هذا الإِنسان عمن خلق هذا الكون وأن يلحّ في أن يعرف مَن صنع الكون، وحين يأتي الرسول ليقول لكم من صنع هذا الكون، تتعجبون؟

كان القياس أن تتلهفوا على من يخبركم بهذه الحقيقة؛ لأن الكون وأجناسه من النبات والجماد والحيوان في خدمتك أيها الإنسان. لا بقوتك خلقت هذا الكون ولا تلك الأجناس، بل أنت طارئ على الكون والأجناس، ألم يدر بخلدك أن تتساءل من صنع لك ذلك؟

إذن فالكلام عن الإِيمان كان يجب أن يكون عمل العقل، وقلت قديمًا: هب أن إنسانًا وقعت به طائرة في مكان، وهذا المكان ليس به من وسائل الحياة شيء أبدًا، ثم جاع، ولم يجد طعامًا، وقهره التعب، فنام، ثم أفاق من هذه الإِغفاءة؛ وفوجئ بمائدة أمامه عليها أطايب الطعام والشراب وهو لا يعرف أحدًا في المكان، بالله قبل أن يأكل ألا يتساءل عمن أحضرها؟ ! كان الواجب يقتضي ذلك.

إذن أنتم تتعجبون من شيء تقتضي الفطرة أن نبحث عنه، وأن نؤمن به وهو الإِله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت