لكم صفة من صفات الكمال زائدة على ما هو له، وهكذا نرى أن كل هداية راجعة إلى المَهْدِيّ. وبذلك يتأكد قوله: {يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرض} ما هو مصلحتهم. {أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرض مِن بَعْدِ أَهْلِهَآ أَن لَّوْ نَشَآءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ على قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ} [الأعراف: 100]
والحق سبحانه وتعالى حين يتكلم عن المشيئة يقول: {لَّوْ نَشَآءُ} ويحدد أسباب المشيئة وهو قوله: {أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ} ، وهكذا نعلم أن المشيئة ليست مشيئة ربنا فقط لا، بل هي أيضًا مشيئة العباد الذين ميزهم بالاختيار، وسبحانه يقول: {أَن لَّوْ يَشَآءُ الله لَهَدَى الناس جَمِيعًا ... } [الرعد: 31]
وما الذي يمنعه سبحانه أن يشاء هداية الناس جميعًا؟ . لا أحد يمنع الخالق، ولكنه سبحانه خلق خلقًا مهديين بطبيعتهم، لا قدرة لهم على المعصية وهم الملائكة، وجعل سائر أجناس الأرض مسخرة مسبحة، وذلك يثبت صفة القدرة، فلا يستطيع أحد أن يخرج عن مراد الله، ولكن هذا لا يعطي صفة المحبوبية للمشرع الأعلى، ثم إنه - سبحانه - خلق خلقًا لهم اختيار في أن يطيعوا وأن يعصوا.
فالمخلوق الذي اختصه سبحانه بقدرة الاختيار في أن يؤمن وأن يكفر، وأن يطيع وأن يعصي، ثم آمن يكون إيمانه دليلا على إثبات صفات المحبوبية للإِله.
إذن المقهورون على الفعل أثبتوا القدرة، والمختارون الفعل أثبتوا المحبوبية للمشروع الأعلى، ويتابع سبحانه في الآية نفسها: {أَن لَّوْ نَشَآءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ على قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ} . [الأعراف: 100]