في المسجد، أي الانقطاع عن حركة الحياة خارج المسجد إلى عبادة الله في بيته. {يَعْكُفُونَ على أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ ياموسى اجعل لَّنَآ إلها كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ... } [الأعراف: 138]
وهذا القول من قوم موسى هو قمة الغباء، كأن الإِله بالنسبة لهم مجهول على رغم أنه قد أسبغ عليهم من النعم الكثير، وهذه أول خيبة، وهم يريدون أن يكون الإِله مجعولًا برغم أن الإِله بكمالاته وطلاقة قدرته جاعل، ولكن عقيلتهم لم تستوعب النعم الغامرة وقلوبهم مغلقة لم يعمها الإِيمان. وقالوا: اجعل لنا إلهًا! وأرادوا أن ينحت لهم الأصنام، وقد يقول واحد منهم: رأس الإِله كبيرة قليلًا صغّرها بعض الشيء، وأنفه غير مستقيمة فلنعدلها بالإِزميل، وقولهم: {اجعل لَّنَآ إلها} . وهذا ما يجعلنا نفهم أن عقولهم لم تستوعب حقيقة الإِيمان؛ لذلك يقول لهم موسى: {إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} .
ولم يقل لهم: «لا تعلمون» بل قال: «تجهلون» لأن هناك فارقًا بين عدم العلم بالشيء، وبين الجهل بالشيء، فعدم العلم يعني أن الذهن قد يكون خاليًا من أي قضية، أما «الجهل» فهو يعني أن تعلم مناقضًا للقضية، إذن فهناك قضية يعتقدها الجاهل ولكنها غير واقعية. أما الذي لا يعلم فليس في باله قضية، وحين تأتي له القضية يقتنع بها، ولا يحتاج ذلك إلى عملية عقلية واحدة مثل الأمي مثلًا الذي لا يعلم، لأن ذهنه خال من قضية، أما الذي يعلم قضية مخالفة فهو يحتاج من الرسول إلى عمليتين عقليتين: الأولى أن يخرج ما في نفسه من قضية الجهل، والثانية أن يعطي له القضية الجديدة، إن الذي يخرج ما في نفسه من قضية الجهل، والثانية أن يعطي له القضية الجديدة، إن الذي يرهق العالم هم الجهلاء لا الأميون، لأن الأمي حين تعطي له المعلومة فليس عنده ما يناقضها. لكن الجاهل عنده ما يناقضها ويخالف الواقع.
ويقول سبحانه بعد ذلك: {إِنَّ هؤلاء مُتَبَّرٌ ... }