ونحن نعرف الألواح، وكنا نكتب عليها قديمًا. وللكتابة على الألواح سبب، فقديمًا كانوا يكتبون على أي شيء مبسوط، وتبين لنا الآثار أن هناك كتبًا مكتوبة على جلود الحيوانات، مثلًا نجد قدماء المصريين قد كتبوا على الأحجار، مثل حجر رشيد الذي أتاح لنا معرفة تاريخهم. وكان العرب يكتبون على القحف المأخوذ من النخل، وكذلك كتبوا على عظام الذبائح، أخذوا منها قطعة العظم المبسوطة مثل عظم اللوح وكتبوا عليها، وكانت هذه الوسيلة مشهورة جدًّا لديهم، وصار كل مكتوب يسمونه لوحًا. {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الألواح مِن كُلِّ شَيْءٍ ... } [الأعراف: 145]
وقوله سبحانه: {مِن كُلِّ شَيْءٍ} يعني: من كل شيء تتطلبه خلافة الإِنسان في الأرض في الوقت المناسب له؛ فالرسل تأتي بعقيدة، لكن قد يأتي تشريع مناسب للفترة الزمنية التي جاء فيها الرسول، ويضيف الله لرسول آخر يأتي من بعده، إلى أن جاء محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بالمنهج المكتمل إلى قيام الساعة.
لقد أوضح سبحانه أنه كتب في الألواح الموعظة والتفصيل لمنهج الحياة، والموعظة تعني ألاَّ تنشئ حكمًا للسامع، بل تعظه بتنفيذ ما عُلِم له من قبل، ولذلك يقال: واعظ وهو الذي لا يُنشئ مسائل جديدة. بل يعرف أن المستمع يعلم أركان الدين ويعظه بما يعلم.
وقوله الحق سبحانه: {وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ} أي أن الكلام لم يأت مجملًا، بل يأتي بالتفصيل، ويأمر الحق موسى أن يقبل على الموعظة والتفصيلات التي في الألواح بقوة. ولماذا جاء الأمر هنا بأن يأخذها بقوة؟ لأن الإِنسان حين يؤمر أمرًا قد يكون الأمر مخالفًا لرتابة ما ألف، وحين يُنهي نهيا قد يكون هذا النهي مخالفًا لرتابة ما ألف. وبذلك ينزع هذا النهي أو ذلك الأمر الإِنسان مما ألف، ويأخذه ويخرجه عما اعتاد.
إن الإِنسان في هذه الحالة يحتاج إلى قوة نفس تتغلب على الشهوة الرتيبة التي