فهرس الكتاب

الصفحة 5058 من 14758

فهذا هو التجمع الذي قال الله عنه: {جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا} لتكون الضربة موجهة لكم في مكان واحد تستأصلكم وتقضي عليكم.

ويأتي الحق بعد ذلك بخبر المعجزات: وَأَوْحَيْنَآ إلى موسى إِذِ استسقاه قَوْمُهُ أَنِ اضرب بِّعَصَاكَ الحجر.

و «استسقى» المراد منه هو طلب السقيا، والسقيا هي طلب الماء الذي يمنع على الإِنسان العطش، ومادام قد طلبوا السقيا فلابد أنهم يعانون من ظمأ، كأنهم في التيه. وأراد الله سبحانه أن يبرز لهم نعمه وقت الحاجة، فقد تركهم إلى أن عطشوا ليستسقوا وليشعروا بنعمة الرِّي.

والحق يقول: {إِذِ استسقاه قَوْمُهُ} ، أي طلبوا من سيدنا موسى أن يسأل الله السقيا. فلماذا لجأوا إلى موسى وقت الظمأ؟ وقال لهم موسى: ليس بذاتي أرويكم، ولكن سأستسقي لكم ربي، ونعلم أن مقومات الحياة بالترتيب الوجودي الاضطراري: الهواء والماء والطعام. وساعة ترى «همزة» وسينًا «وتاء» واقعة على شيء من الأشياء فاعرف أنه أمر مطلوب ومرغوب فيه.

مثال ذلك: حين سار موسى والعبد الصالح ونزلا قرية استطعما أهلها، أي طلبا طعامًا وهذا هو المقوم الثالث للحياة. وهنا «استسقى» أي طلب المقوم الثاني وهو الماء، ونعلم أن المقوم الأول وهو الهواء لا نستغني عنه. لذا لم يضعه الله في يد أحد بل أعطاه ومنحه كل الخلق.

ولما كان الهواء غير مملوك وهو مشاع؛ لذلك لم توجد فيه هذه العملية. إنما الطعام يُمكن أن يُملك، والماء يُمكن أن يُملك، فقال سبحانه مرة «استطعم» ، وقال هنا «استسقى» ، ولم يوجد «استهوى» لطلب الهواء، لكن وجد في القرآن «استهوى» بمعنى طلب أن تكون على هواه: {استهوته الشياطين ... } [الأنعام: 71]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت