وبعد أن ينتصر المؤمنون نجدهم وهم يزدادون إيمانًا وثقة في أنفسهم، وتملؤهم عزة الإيمان، فينظر إليهم المنافقون بحسد وحقد؛ لأنهم يكرهون المؤمنين؛ ولا يتمنون لهم خيرًا، فهم في نفاقهم كفار، في قلوبهم غل للمؤمنين يخاطب بعضهم البعض ويقولون: أصاب هؤلاء الغرور بدينهم. ولكن ما أصاب المؤمنين ليس غرورًا؛ لأن معنى الغرور أن تغار بخصلة فيك تجعلك متفوقًا على غيرك؛ والمؤمن ساعة النصر لا يغتر بنفسه ولكنه يعتز بالله القوي العزيز، ويزداد تواضعًا له ويكون مشغولًا بشكر الله على ما حققه له من نصر، أما المغرور فهو من يعزل النعمة عن المنعم وينسبها لنفسه. والمؤمنون ينسبون كل شيء لله تبارك وتعالى؛ لأنهم يعلمون أن النعمة عطاء من يد الله الممدودة بالنعم التي لا تعد ولا تحصى وما دامت النعمة لم تبعد الإنسان عن الله، فإن الله يزيده منها؛ لأنه مأمون على النعمة وينسبها لصاحبها، والمغرور يستعلي بأي خصلة يتميز بها عكس المؤمن الذي لا يستعلي أبدًا بها؛ لأنه يعلم أنه لا ذاتية له، وأن الفضل لله تعالى، وذلك يقول الحق تبارك وتعالى وهو يصف المؤمنين:
{أَشِدَّآءُ عَلَى الكفار رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29] .
والشدة هنا ليست غرورًا، ولكنها طبع وملكة، ولو كانت غرورًا لبقيت كما هي، ولكن المؤمن شديد على الكفار ذليل على المؤمنين لا يتكبر عليهم أبدًا، ولا يمكن أن يجعله إيمانه في قالب جامد؛ لأن الإيمان يعطي المؤمنين مرونة أمام الأحداث، لذلك نجد المؤمن لا هو شديد على إطلاقه، لأن هناك مواقف تتطلب الرحمة في التعامل مع المؤمنين، ولا هو رحيم على إطلاقه؛ لأن هناك مواقف تتطلب الشدة في مواجهة الكفار.
وكان سيدنا أبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - معروفًا بأنه كان كثير البكاء من خوفه وخشيته لله؛ وقلبه مليء بالرحمة على المؤمنين. ولكن عندما جاءت