وهذا إذن من الله لرسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، ومن رسوله إلى علي كرم الله وجهه، ومن علي للمؤمنين، ومن المؤمنين؛ من سمع لمن لم يسمع، أن الله بريء من المشركين، وكان هذا إعلانا بالقطيعة، ولكن الله برحمته لا يغلق الباب أمام عباده أبدًا، ولذلك يقول: {فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} [التوبة: 3] .
أي فتح لهم باب التوبة فإن تابوا عفا الله عنهم، وإن لم يتوبوا فالقول الفصل هو: {وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فاعلموا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي الله وَبَشِّرِ الذين كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة: 3] .
إذن فالحق سبحانه وتعالى قادر عليهم وقادر أن يأتي بهم مهما كانوا، وعلى النبي والمبلغين عنه أن يبشروا الكفار بالعذاب الأليم، والبشارة إعلام بخبر سار، والإنذار إخبار بسوء. فهل العذاب بشارة أم إنذار؟ . نقول: إن هذا هو جمال أسلوب القرآن الكريم، يبشر الكفار فيتوقعون خبرًا سارا: ثم يعطيهم الخبر السيىء بالعذاب الذي ينتظرهم؛ تمامًا كما تأتي إلى إنسان يعاني من العطش الشديد، ثم تأتي بكوب ماء مثلج وعندما تصل به إليه ويكاد يلمس فمه تفرغه على الأرض، فيكون هذا زيادة في التعذيب وزيادة في الحسرة، فالنفس تنبسط أولًا ثم يأتي القبض.
وفي هذا يقول الشاعر:
كما أبرقت قومًا عطاشًا غمامةٌ ... فَلَمَّا رَأَوْها أقْشَعتْ وتَجلَّتِ
وهكذا تكون اللذعة لذعتين، ابتداء مطمع، وإنتهاء ميئس بينما في الإنذار لذعة واحدة فقط. وانظر إلى قوله الحق تبارك وتعالى: {وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ} [الكهف: 29] .
حين تسمع «يغاثوا» تتوقع الفرج فيأتي الجواب: