ثم أراد الحق سبحانه وتعالى أن يبعث الطمأنينة الإيمانية في نفوس المؤمنين، فيوضح لهم: إن كنتم تريدون بالآباء والأبناء والعشيرة والأقربين والمال قوة، فاعلموا أن قوة المؤمن من ربه، وإياك أن تنظر إلى ولي آخر غير الله؛ لأن ولاية البشر عرضة للتغير والتبدل، حيث إن الإنسان حدث يتقلب بين الأغيار، فالغني فيها قد يصبح فقيرا، والسليم قد يصبح مريضًا، والقوي قد يصير ضعيفًا، ولكن الولاية الدائمة إنما تكون من قادر قاهر لا يتغير، فإذا كان الله وليك فهو القادر دائمًا، والقاهر دائمًا، والغالب دائمًا، والموجود دائمًا، والناصر دائمًا، ولكن إذا كانت الولاية من إنسان لإنسان فالأغيار في الدنيا تجعل الصديق ينقلب عدوًا، والمعين يصبح ضعيفًا لا يملك شيئا، والموجود يصبح لا وجود له بالموت، إذن: فلا بد أن تجعل ولايتك مع الله سبحانه وتعالى: لأنه هو الدائم الباقي. ولهذا يعلِّم المولى - عَزَّ وَجَلَّ - عبده المؤمن أن يكون دائمًا يقظًا، فطنًا، لبيبًا، فيقول سبحانه وتعالى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الحي الذي لاَ يَمُوتُ} [الفرقان: 58] .
أي: لا تتوكل على من قد تصبح غدًا فتجده ميتًا، ولكن توكل على الحي الموجود دائما، العزيز الذي لا يقهر، القوي الذي لا يغلب.
وينبه الحق سبحانه وتعالى المؤمنين: إن كنتم تخشون حين نعزلكم عن مجتمع الكفر لما فيه من عزوة كاذبة بالآباء والأبناء والإخوان والأقارب والمال، فاعلموا أن الله هو الذي ينصر، وهو الولي، ولكن الكافرين لا مولى لهم؛ لأنهم يتخذون موالي من أغيار، والأغيار لا ثقة فيها؛ لذلك يقال: إذا وصل الإنسان إلى القمة فهذه نهاية الكمال، لأنه ما دام قد وصل إلى القمة وكل شيء في الدنيا يتغير، فلا بد أن يتغير هو. ويقول القائل:
إذاَ تَمَّ شيءٌ بَدَأ نقصُه ... ترقَّبْ زوالًا إذَا قِيل تَمّ