فهرس الكتاب

الصفحة 5847 من 14758

والإنسان في حربه مع أخيه الإنسان يُنهك بنيران ونتائج الحرب، تنهكه دمًا، وتنهكه مالًا، وتنهكه عتادًا، ويصيب الضعفُ الإنسان نتيجة هذه الإنهاكات منتصرًا كان أم مهزومًا، ولكنه أمام عزة نفسه في مواجهة خصمه يريد أن يستمر في الحرب حتى لا يظهر أمام الخصم بأنه قد ذُلَّ. فيشاء الله برحمته لخلقه أن يجعل في الزمان وفي المكان ما يحرم فيه القتال؛ حتى لا يقال: إن قبيلة ما أو جماعة ما قد أوقفت القتال خوفًا من خصومها، أو لأن خصومها هم الأقوى؛ ولكن ليقول الناس: إنهم أوقفوا الحرب بأمر الله.

وبهذا يحتفظ كل طرف من الأطراف المتحاربة بكرامته؛ فيسهل الصلح وتسلم الأرواح والنفوس.

وكذلك إن لجأ واحد من المتحاربين إلى المكان أو الأماكن التي يحرم الله فيها القتال، أمن على نفسه، وفي هذا منع للشر أن يستمر، وصون للنفوس من المهانة والذلة والانكسار أمام الغير؛ لذلك أراد الله أن يوضح لنا: أنا خالقكم، وأنا الرحيم بكم، وسأجعل لكم من الزمان زمانًا أحرم فيه القتال، وأجعل مكانًا مَنْ دخله كان آمنًا، فاستتروا وراء ذلك وكُفُّوا عن القتال.

وهذه هي بعض من رحمة الله، يعطي بها سبحانه للناس فرص الحياة، وهذا من عطاءات الربوبية، وعطاء الربوبية من الله هو لخلقه جميعًا، المؤمن منهم والكافر، والطائع والعاصي، وكل نعم الكون من عطاءات ربوبية الله.

إن عطاءات الله سبحانه لا تفرق بين المؤمن والكافر، فالأرض مثلًا لا تعطي الزرع للطائع وتمنعه عن العاصي، والشمس لا تضيء وتسقط دفئها وحرارتها للمؤمن دون الكافر؛ فَنِعَمُ الكون المادية كلها من عطاء ربوبية الله سبحانه وتعالى لخلقه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت