شيء، وقد قصّ واحد منهم حكايته، وبيّن لنا أنه لم يكن له عذر: «وما كنت في يوم من الأيام أقدر على المال والراحلة مني في تلك الغزوة، كنت أقول: أتجهز غدًا، ويأتي الغد ولا أتجهز، حتى أنفصل الركب، فقلت ألحق بهم، ولم ألحق بهم» .
هؤلاء هم الثلاثة الذين جاء فيهم القول: {وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ الله}
و {مُرْجَوْنَ} أو «مرجَئون» والإرجاء هو التأخير. أي: أن الحكم فيهم لم يظهر بعد؛ لأن الله يريد أن يبين للناس أمرًا، وخاصَّةً أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لم ينشئ في الدولة الإسلامية سجنًا يُعزَل فيه المجرم؛ وهذا لحكمة، فكونك تأخذ المجرم وتعزله عن المجتمع وتحبسه في مكان فهذا جائز. لكن النكال في أن تدعه طليقًا، وتسجن المجتمع عنه.
وهكذا تتجلى عظمة الإيمان؛ لذلك أصدر صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أمرًا بأن يقاطعهم الناس، فلا يكلمهم أحد، ولا يسأل عنهم أحد، حتى اقرباؤهم ولا يختلط بهم أحد في السوق أو في المسجد.
وكان أحدهم يتعمد أن يصلي قريبًا من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ويختلس النظرات ليرى هل ينظر النبي له أم لا؟ ثم يذهب لبيت ابن عمه ليتسلق السور، ويقول له: أتعلم أنني أحب الله ورسوله؟ فيرد عليه: الله ورسوله أعلم. وهكذا عزل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ المجتمع عنهم، ولم يعزلهم عن المجتمع. وكذلك