يؤهله للرسالة، وبمجرد أن نزل عليه الوحي امتلك اندفاعًا ذاتيًّا لأداء الرسالة، ولم يحتج لمن يدفعه لأداء الرسالة؛ لذلك أراد الحق سبحانه أن يثبت للرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ المجيء ذاتيًّا، ولكن هذا المجيء الذاتي ليس من عند محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في البداية، بل هو رسول من عند الله، فأتى الحق سبحانه هنا بكلمة «جاء» .
وكلمة {رَسُولٌ} تدل على أنه ليس من عنده، وكلمة «جاء» تدل على أن الشحنة الإيمانية جعلت لذاته عملًا، فهو صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يعشق الجهاد من أجل الرسالة، ويعشق الكفاح من أجل تحقيق هذه الرسالة.
إذن: لا تنظروا إلى ما جاءكم به الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ نظرتكم إلى الأمور الشاقة التي تتعبكم، ولكن انظروا ممن جاءت، إن كانت من الأصل الأصيل في إرسال الرسل، فالرب رحيم، خلقكم من عدم وأمدكم من عدم، ويوالي نعمة عليكم حتى وأنتم في معصيته. فأنت تعصاه ويحب الله سبحانه من يستر عليك، فلا تشك ولا تتشكك. وعليك أن تأخذ التكاليف على أنها من حبيب فلا تقل: إنها مشقة. فأنت - ولله المثل الأعلى - تطلب من ابنك أن يستذكر دروسه، وتراجعها معه قهرًا عنه في بعض الأحيان، وأنت قد تمسك بيدي ابنك ليعطيع الطبيب حقنة من الدواء الذي جعله الله سببًا للشفاء.