فالرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يدعو الناس إلى إتقان العمل في الدنيا؛ ليصلوا إلى الجنة في الآخرة؛ لأن كل مؤمن عزيز عليه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ويخشى أن يُرهَق إنسان واحد في الآخرة، ولذلك قال الحق: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ السمآء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} [الشعراء: 3 - 4]
أي: إياك أن تحزن أنك حريص على أن يؤمنوا؛ لأن الحق سبحانه يقدر أن ينزل عليهم آية تجعل رقابهم خاضعة، ولكن الرب لا يريد رقابًا تخضع؛ وإنما يريد قلوبًا تخشع.
{عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بالمؤمنين رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}
والرأفة والرحمة قد تلتقيان في المعنى العام، ولكن هناك أمورًا تسلب مضرّة، وأمورًا تجلب منافع. وسلب المضرّات - دائمًا - مُقدّم على جلب المنافع، فحين نواجه عملًا يضر وعملًا ينفع؛ نُقدم على العمل لدرء ما يضر، ثم ننجز العمل النافع.
وساعة يطرأ عليك أمر يضر، وأمر ينفع، وأنت في حال متساوية ولا بد أن تدرأ عن نفسك الأمر الضار الذي يخرجك عن الاستواء، ثم تقبل على الأمر الذي يزيد من الارتقاء.
وحتى نقرب هذه المسألة إلى الذهن، سأضرب هذا المثل الحسّي: هَبْ أن واحدًا معه حجر يريد أن يضربك به، وآخر يريد أن يقذفك بتفاحة، فهل تنشغل بالتقاط التفاحة أو تنشغل برد الحجر؟ إنك تنشغل أولًا بدرء الضرر، ثم تقبل على جلب المنفعة.