فهرس الكتاب

الصفحة 828 من 14758

يَعْلَمْهُ الله . وكلمة من قوله {مِنْ خَيْرٍ} للابتداء، كأن الله سبحانه وتعالى يريد منك أن تصنع خيرًا وهو سبحانه يرى أقل شيء من الخير؛ ولذلك قال: {يَعْلَمْهُ الله} . فكأنه خير لا يراه أحد؛ فالخير الظاهر يراه كل الناس؛ والتعبير {يَعْلَمْهُ الله} أي الخير مهما صغر، ومهما قل فإن الله يعلمه، وكثير من الخيرات تكون هواجس بالنية، ويجازي الله على الخير بالجزاء الذي يناسبه.

وقول الحق: {وَتَزَوَّدُواْ} والزاد: هو ما يأخذه المسافر ليتقوى به على سفره، وكان هذا أمرًا مألوفا عند العرب قديمًا؛ لأن المكان الذي يذهبون إليه ليس فيه طعام. وكل هذه الظروف تغيرت الآن، وكذلك تغيرت عادات الناس التي كانت تذهب إلى هناك. كانت الناس قديمًا تذهب إلى الحج ومعها أكفانها، ومعها ملح طعامها، ومعها الخيط والإبرة، فلم يكن في مكة والمدينة ما يكفي الناس، وأصبح الناس يذهبون الآن إلى هناك ليأتوا بكماليات الحياة، وأصبحت لا تجد غرابة في أن فلانا جاء من الحج ومعه كذا وكذا. كأن الحق سبحانه وتعالى جعل من كل ذلك إيذانا بأنه أخبر قديما يوم كان الوادي غير ذي زرع فقال: {يجبى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ. .} [القصص: 57]

وانظر إلى دقة الأداء القرآني في قوله: {يجبى} ومعناها يؤخذ بالقوة وليس باختيار من يذهب به، فكأن من يذهب بالثمرات بكل ألوانها إلى هناك مرغم أن يذهب بها، وهو رزق من عند الله، وليس من يد الناس.

وهذا تصديق لقوله تعالى: {وارزقهم مِّنَ الثمرات ... } [إبراهيم: 37]

وقوله الحق: {وَتَزَوَّدُواْ} مأخوذة كما عرفنا من الزيادة، والزاد هو طعام المسافر، ومن يدخر شيئا لسفر فهو فائض وزائد عن استهلاك إقامته، ويأخذه حتى يكفيه مئونة السؤال أو الاستشراف إلى السؤال؛ لأن الحج ذلة عبودية، وذلة العبودية يريدها الله له وحده. فمن لا يكون عنده مؤونة سفره فربما يذل لشخص آخر، ويطلب منه أن يعطيه طعامًا، والله لا يريد من الحاج أن يذل لأحد، ولذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت