ومن عجيب الخَلْق الرحماني أن الله خلق كُلّ ذلك تسخيرًا لأمر الإنسان؛ فلا يشذّ كائن من تلك المُسخرات عن أمر الإنسان. وما طُلِب منك أيُّها الإنسان تكليفًا مُخيَّر فيه إنْ شئتَ آمنت، وإنْ شئْتَ كَفرتَ؛ وإنْ شئتَ أطعتَ، وإن شئتَ عصيتَ.
ولكن المخلوق المُسخَّر لخدمتك ليست له هذه المشيئة. وهو سبحانه الحق القائل: {إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السماوات والأرض والجبال فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسان إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب: 72] .
وقد أعلمنا هذا القولُ الكريم بأن الرحمانية سبقتْ لنا نحن البشر من قبل خَلْقنا، وأقدمتنا رحمانية الله على وجود مُهيَّأ لنا.
ومن العجيب أن الكونَ المخلوق لنا استبقاءً لحياتنا واستبقاءً لنوعنا يتركز في أشياء لا دَخْل لنا فيها، ولا تتغير أبدًا؛ وهي الأشياء العليا كالشمس والقمر والأرض.
وهناك أشياء أخرى يكون التغيير فيها على نوعين: قسم يتغير ويأتي بدلًا منه شيء جديد، كالنبات الذي يذهب ويصير حصيدًا، وكذلك الحيوانات التي نأكلها أو التي تموت.
وهناك خَلْق يتغير مع إبقاء عناصره، وإنْ تغيّرتْ مادته، كالجمادات التي نراها - الجبال والأرض وعناصرها - ونكتشف منها كُلَّ يوم جديدًا.