فهرس الكتاب

الصفحة 9530 من 14758

الإنسان على هذه الصورة من التسخير، لكنه في هذه الحالة لن يزيد شيئًا، ولن يضيف جديدًا في الكون، أليستْ الملائكة قائمة على التسخير؟

فالتسخير يُثبِت القدرة لله تعالى، فلا يخرج عن قدرته ولا عن مراده شيء، لكن الاختيار يثبت المحبوبية لله تعالى، وهذا فَرْقٌ يجب أنْ نتدبّره.

فمثلًا لو كان عندك عبدان أو خادمان أحدهما سعيد، والآخر مسعود، فأخذت سعيدًا وقيَّدته إليك في حبل، في حين تركت مسعودًا حرًا طليقًا، وحين أمرت كلًا منهما لَبَّى وأطاع، فأيّ طاعة ستكون أحبّ إليك: طاعة القهر والتسخير، أم الطاعة بالاختيار؟

فكأن الحق تبارك وتعالى خلق الإنسان وكرَّمه بأنْ جعلَه مختارًا في أنْ يطيعَ أو أنْ يعصيَ، فإذا ما أتى طائعًا مختارًا، وهو قادر على المعصية، فقد أثبتَ المحبوبية لربه سبحانه وتعالى.

ولا بُدَّ أنْ تتوافرَ للاختيار شروطٌ. أولها العقل، فهو آلة الاختيار، كذلك لا يُكلّف المجنون، فإذا توفّر العقل فلا بُدَّ له من النُّضْج والبلوغ، ويتمّ ذلك حينما يكون الإنسان قادرًا على إنجاب مِثْله، وأصبحتْ له ذاتية مولده.

وهذه سِمَة اكتمال الذات؛ فهو قبل هذا الاكتمال ناقص التكوين، وليس أَهْلًا للتكليف، فإذا كان عاقلًا ناضجًا بالبلوغ واكتمال الذات، فلا بُدَّ له أن يكون مختارًا غَيْرَ مُكْرهٍ، فإنْ أُكْرِه على الشيء فلن يسأل عنه، فإنِ اختلَّ شَرْط من هذه الثلاثة فلا معنى للاختيار، وبذلك يضمن الحق تبارك وتعالى للإنسان السلامة في الاختيار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت