فهرس الكتاب
الأهم من هذا أنه عندنا كلمة (يعلم) هذه جملة فعلية هي وصف لكلمة (شهيدًا) (شهيدًا يعلم) يعني شهيدًا عالمًا فلما كان يعلم وصفًا لشهيدا فلو قدم شهيدًا وجعله (وكفى بالله شهيدًا بيني وبينكم يعلم) يكون هناك فأصلًا بين الصفة والموصوف يطول الكلام ويضعف. حينما تفصل الصفة وموصوفها يضعف الكلام من حيث التركيب سيتبعد الوصف عن صفته ويكون (بيني وبينكم) فأصلًا. فتفاديًا لهذا الضعف - ولغة القرآن اللغة الأعلى والأسمى والأرقى - فتفاديًا لهذا الضعف وإتّكاء على ذكر المخاطب والغائبين (عليك، عليهم) نوع من التنسيق، والأصل أن يتفادى الفصل بين الصفة والموصوف بكلام (بيني وبينكم) تطيل الفاصل والأصل في اللغة العليا أن لا يُفصل بين النعت ومنعوته. وهو قد يجوز أن تفصل لكن ليس هو الأفضل في اللغة العليا. لذلك جاء (كفى بالله بيني وبينكم شهيدًا يعلم) لأن (يعلم) نعت لـ (شهيدًا) فلا بد أن تتصل بها.
الآيات الأخرى جاءت على الأصل يعني أن العامل تقدم على المعمول لأن (بيني وبينكم) معمولان لـ (شهيدًا) تقدم على العامل. لكن لما يتقدم (شهيد) يأتي المعمول بعدها. الطبيعي أن يأتي العامل ثم يأتي المعمول (كفى بالله شهيدًا بيني وبينكم) فما جاء على الأصل لا يُسأل عنه. كما تقول: كتب زيد رسالة ، لا نقول لماذا تقدم الفاعل؟ هذه رتبته هكذا يأتي قبله. إذا جاء الشيء على الأصل لا يُسأل عنه عندما يكون العامل مقدّمًا على معموله فهذا هو الأصل. بيني وبينكم معمولان متعلقان بـ (شهيدًا) لما يأتي (بيني وبينكم) بعد (شهيدًا) لا يُسأل عنه لأن هذا الأصل. مع ذلك لو نظرنا في الآيات التي قد تأخر فيها الظرف نجد أن هناك أسبابًا دعت إلى تأخيره ولا يمكن أن يتقدم: