جاء في الآية (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ(51 ) ) الخطاب للرسول - صلى الله عليه وسلم - (أنزلنا عليك) و (عليهم) إذن (عليك، عليهم) فناسب أن يقدّم (بيني وبينكم) لأن الخطاب للرسول - صلى الله عليه وسلم -: قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدًا) وإلا كان يمكن أن يقول (كفى بالله بينك وبينهم شهيدًا) هذا شيء.
الأهم من هذا أنه عندنا كلمة (يعلم) هذه جملة فعلية هي وصف لكلمة (شهيدًا) (شهيدًا يعلم) يعني شهيدًا عالمًا فلما كان يعلم وصفًا لشهيدا فلو قدم شهيدًا وجعله (وكفى بالله شهيدًا بيني وبينكم يعلم) يكون هناك فأصلًا بين الصفة والموصوف يطول الكلام ويضعف. حينما تفصل الصفة وموصوفها يضعف الكلام من حيث التركيب سيتبعد الوصف عن صفته ويكون (بيني وبينكم) فأصلًا. فتفاديًا لهذا الضعف - ولغة القرآن اللغة الأعلى والأسمى والأرقى - فتفاديًا لهذا الضعف وإتّكاء على ذكر المخاطب والغائبين (عليك، عليهم) نوع من التنسيق، والأصل أن يتفادى الفصل بين الصفة والموصوف بكلام (بيني وبينكم) تطيل الفاصل والأصل في اللغة العليا أن لا يُفصل بين النعت ومنعوته. وهو قد يجوز أن تفصل لكن ليس هو الأفضل في اللغة العليا. لذلك جاء (كفى بالله بيني وبينكم شهيدًا يعلم) لأن (يعلم) نعت لـ (شهيدًا) فلا بد أن تتصل بها.