وكان هناك خيار آخر وهو أن يخفف النون في الفعل المعطوف نظير قوله تعالى (ولئن لم يفعل ما آمره ليسجننّ وليكوننْ من الصاغرين(32) يوسف) فيكون ما دخلت عليه النون الثقيلة آكد مما دخلت عليه النون الخفيفة ولكنه لم يفعل هذا ولا ذاك بل أعاد اللام وأتى بالنون الثقيلة للدلالة على أنهما بمنزلة واحدة في التوكيد وأنهم سيفعلونهما جميعًا. ثم قالوا (منا) للدلالة على الجهة التس ستقوم بالعذاب فالجهة التي ستقوم بالرجم والعذاب واحدة (لنرجمنكم وليمسنكم منا) فإنه لم يقل (وليمسنكم عذاب أليم) فيُبهم الجهة إذ لعله لو قالوا ذاك لفهم منه أنهم يقصدون أن آلهتهم هي التي ستمسهم بالعذاب. وقدم الجار والمجرور (منا) على العذاب لأكثر من سبب ذلك أن الكلام عليهم وهم مدار الإسناد (قالوا إنا تطيرنا، لنرجمنكم، وليمسنكم منا) فناسب تقديم ضميرهم فإنهم هم المتطيرون وهم الراجمون وهم المعذبون. ثم إن تقديم الجار والمجرور يفيد تعلقه بالفعل (ليمسنكم) أي (ليمسنكم منا) أي نحن الذين نعذبكم ونتولى أمر ذلك بأنفسنا ولا ندع ذلك لغيرنا ممن قد يرقّ لحالكم أو يخفف عنكم. ول قال (ليمسنكم عذاب أليم منا) لاحتمل أن يكون (منا) صفة لـ (عذاب) وعلى هذا الاحتمال يكون العذاب صادرًا منهم أمره أما الذي يقوم بالتعذيب فهو غيرهم وهذا يكون نظير قولنا:"اتسعرت لمحمد كتابًا"و"استعرت كتابًا لمحمد"فإن الجملة الأولى يكون تعلق الجار والمجرور فيها بـ (استعرت) فتكون الإستعارة لمحمد أي"استعرت لمحمد""كتابًا"، أما الجملة الثانية فتحتمل هذا المعنى وتحتمل معنى آخر وهو استعرت كتابًا عائدًا لمحمد أي أن الكتاب هو كتاب محمد وأنت استعرته فيكون المعنى على النحو الآتي: (استعرت) (كتابًا لمحمد) فكان تقديم الجار والمجرور هو الأنسب.