قال (من أقصى المدينة ) ولم يقل (من أقصى القرية ) وقد سماهما قرية بادئ ذي بدء فقال (واضرب لهم مثلًا أصحاب القرية ) ذلك للدلالة على أنها واسعة . فالقرية إذا كانت متسعة تسمى مدينة أيضًا فأفاد أن هذه القرية كبيرة متسعة ولذا أطلق عليها مدينة وذلك يفيد أنه جاء من مكان بعيد وذلك يدل على اهتمامه الكبير بمعتقده الجديد.
قال (يسعى ) أي يعدو ويسرع في مشيه وليس متباطئًا يقدم رِجلًا ويؤخر أخرى وهو توجيه للدعاة بعدم التواني في أمر الله.
لم يسكت عن الحق ولم يجامل أو يهادن بل دعا قومه إلى الإيمان بما جاءت به الرسل وأتباعهم وأعلن عن إيمانه هو.
إن مجيئه من أقصى المدينة يدل على وصول البلاغ إلى أبعد مكان فيها مما يدل على جديتهم في التبليغ وتوسعهم فيه وهو تصديق قولهم (وما علينا إلا البلاغ المبين) .
وقال هنا (وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى ) فقدم (من أقصى ) على (رجل) وقال في سورة القصص (وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين(20) القصص) بتقديم (رجل) على (من أقصى المدينة ) . ذلك أن القصد في آية يس أن يبين أن مجيء الرجل كان من أبعد مواضعها وأما في القصص فإنه يفيد أن الرجل من أقصى المدينة أي هو من أهل المواضع البعيدة غير أنه لا يلزمأن يكون مجيئه من أقصى المدينة وهو كما تقول"جاءني من القرية رجال"أي جاؤوك من القرية ، وتقول"جانء رجال من القرية"فالرجال هم من أهل القرية ولكن لا يقتضي أن مجيئهم إليك كان من القرية بل قد يكونون في المدينة ثم جاؤوك. وقد يكون المجيء من القرية فقولك"جاءني رجال من القرية"يحتمل معنيين بخلاف قولك"جاءني من القرية رجال".
وعلى أية حال فإن قوله (وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى ) يفيد أنه جاء من أبعد مكان في المدينة . وقوله (وجاء رجل من أقصى المدينة ) يحتمل ذلك ويحتمل أنه من أهل الأماكن البعيدة وإن لم يكن مجيئه من هناك.