بين الدنيا والآخرة , والأرض والملأ الأعلى . مما يهدئ في نفسه القلق على النتيجة والعجلة على الثمرة . فهو يفعل الخير لأنه الخير , ولأن الله يريده , ولا عليه ألا يدر الخير خيرا على مشهد من عينيه في عمره الفردي المحدود . فالله الذي يفعل الخير ابتغاء وجهه لا يموت - سبحانه - ولا ينسى , ولا يغفل شيئا من عمله . والأرض ليست دار جزاء . والحياة الدنيا ليست نهاية المطاف . ومن ثم يستمد القدرة على مواصلة الخير من هذا الينبوع الذي لا ينضب . وهذا هو الذي يكفل أن يكون الخير منهجا موصولا , لا دفعة طارئة , ولا فلتة مقطوعة . وهذا هو الذي يمد المؤمن بهذه القوة الهائلة التي يقف بها في وجه الشر . سواء تمثل في طغيان طاغية , أو في ضغط الاعتبارات الجاهلية , أو في اندفاع نزواته هو وضغطها على إرادته . هذا الضغط الذي ينشأ أول ما ينشأ من شعور الفرد بقصر عمره عن استيعاب لذائذه وتحقيق أطماعه , وقصره كذلك عن رؤية النتائج البعيدة للخير , وشهود انتصار الحق على الباطل ! والإيمان يعالج هذا الشعور علاجا أساسيا كاملا .
إن الإيمان هو أصل الحياة الكبير , الذي ينبثق منه كل فرع من فروع الخير , وتتعلق به كل ثمرة من ثماره , وإلا فهو فرع مقطوع من شجرته , صائر إلى ذبول وجفاف . وإلا فهي ثمرة شيطانية , وليس لها امتداد أو دوام !
وهو المحور الذي تشد إليه جميع خيوط الحياة الرفيعة . وإلا فهي مفلتة لا تمسك بشيء , ذاهبة بددا مع الأهواء والنزوات . .
وهو المنهج الذي يضم شتات الأعمال , ويردها إلى نظام تتناسق معه وتتعاون , وتنسلك في طريق واحد , وفي حركة واحدة , لها دافع معلوم , ولها هدف مرسوم . .