وهكذا بدأت تتجدد تلك الشبهة المتعفنة المبنية على الاعتقاد بأن الملة النصرانية أو اليهودية، هي أديان سماوية، تشترك مع المسلمين في أن لها كتابًا سماويًا، فهي بالتالي أديان مقبولة، وأن كان أهلها كفارًا، فهم إخوان لنا، ويفرِّع على هذا التأسيس فروع عقدية وفقهية كثيرة بدءا من الدعوة إلى وحدة الأديان، أو الدعوة إلى الحوار بين الأديان، وكذا الدعوة إلى التسامح بين الأديان، وما يسمى بالإخاء العالمي، والتعايش السلمي، ومرورًا بإلغاء جهاد الهجوم، وإلغاء قيومية هذا الدين على غيره من الأديان والملل، ثم انتهاء إلى مودتهم وعدم بغضهم أو البراءة منهم.
الله أكبر إن دين محمد……وكتابه أقوى وأقوم قيلا
هو صخرة ما زوحمت صدمت فلا……تبغوا لها إلا النجوم وعولا
طلعت به شمس الهداية للورى……وأبى لها وصف الكمال أفولا
لا تذكروا الكتب السوالف عنده……طلع النهار فأطفئوا القنديلا
ويزيح ملك الله منكم عنوة……ليبيحه أهل التقى وينيلا
أمة التوحيد، وحتى تتبين أطراف هذا الموضوع، وحقيقة هذه الأمور، ونظرة الشريعة الإسلامية لها، لا بد من التأصيل الشرعي، لأصل نظرة الإسلام إلى هذه الملل الأخرى، فنقول:
لقد خلق الله الخلق وأمرهم بطاعته، وعبادته وحده لا شريك له، ونبذ كل ما سواه، وقد أرسل للبشر في كل فترة يعيشونها رسولًا يبين لهم كيفية الطريقة لعبادة الله وحده لا شريك له، ولهذا كانت دعوة الأنبياء كلهم تدور حول محور واحد، يقول الله جل وعلا: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِى إِلَيْهِ أَنَّهُ لا اله إِلاَّ أَنَاْ فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25] .