ثم ماذا؟ ما هي إلا سنتين اثنتين فقط ويفيق المسلمون من غفلتهم، وتنهض عزائمهم، وتثور حميتهم، فتدور رحى معركة طاحنة بين المسلمين وبين من؟ بين هؤلاء الوحوش الضارية التي أكلت الأخضر واليابس في بغداد، ليهزمهم المسلمون هزيمة ساحقة، ويكسروا شكوتهم إلى أبد الآباد، فلم تقم لهم بعد ذلك قائمة البتة، إلا ما كان من مناوشات صغيرة، هزموا كذلك على إثرها، هزمهم المسلمون في معركة عين جالوت سنة ثمان وخمسين بعد المائة السادسة، بقيادة القائد المظفر قطز رحمه الله، ورحم من مات معه من المسلمين، ولعل الله ييسر لنا خطبة عن هذه المعركة التي أنارت وجه التاريخ، ولمعت في ثنايا المجد.
ملكنا هذه الدنيا القرونا …وأتبعها جدود خالدونا
وسطرنا صحائف من ضياء …فما نسي الزمان وما نسينا
عباد الله، إن مما يؤسف له أن كثيرًا من المسلمين الآن يرون ما يحيق بالمسلمين، ها هي ثلاث دول مسلمة محتلة احتلالًا عسكريًا، فلدينا فلسطين المحتلة، ثم أفغانستان المحتلة، وفي قلبنا وبين جوانحنا العراق المحتل، ناهيك عن الاحتلال المعنوي والثقافي الذي تعاني منه كل بلاد المسلمين.
كثير من المسلمين ـ أيها الإخوة ـ أصيب بالإحباط وأسقط في يده، حتى كأنه يرى أنها نهاية العالم، لقد اختزلوا تاريخ العالم الإسلامي كله، ومجده كله، وعزه كله، في سنوات عجاف تمر بها الأمة الإسلامية في هذه الأيام نتيجة لما كسبت أيدينا.
ارجعوا إلى التاريخ أيها المسلمون، واستقرؤوا التاريخ، كم من السنين حكمنا العالم؟ وكم من السنين حكم أعداؤنا العالم؟ خلافة راشدة، ثم دولة أموية، يتلوها دولة عباسية حتى منتصف القرن السابع الهجري ثم مرت بنا مراحل ضعف، لكن سرعان ما قام المارد، وأنشأ دولة حكمت المشرق والمغرب على يد العثمانيين، حتى سقطت الخلافة العثمانية سنة 1917 هـ، أي قبل أقل من مائة سنة فقط.